إجماع دولي تاريخي: مجلس الأمن يدين الهجمات الصاروخية الإيرانية بقرار قادته الدول العربية


هذا الخبر بعنوان "إدانة تقودها الدول العربية في مجلس الأمن للهجمات الصاروخية الإيرانية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة دبلوماسية بارزة، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 11 آذار/ مارس 2026 القرار رقم 2817 بأغلبية ساحقة بلغت 13 صوتاً، دون أي أصوات معارضة، بينما امتنعت كل من الصين وروسيا عن التصويت. وقد جاء هذا القرار، الذي تقدمت به مملكة البحرين نيابةً عن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (البحرين، الكويت، سلطنة عُمان، قطر، المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة) وبالتعاون مع المملكة الأردنية الهاشمية، ليمثل إدانة حازمة للهجمات الإيرانية الأخيرة.
حظي القرار بدعم دولي واسع النطاق، حيث شاركت في رعايته 135 دولة، وهو رقم قياسي يعكس حجم الإجماع العالمي إزاء هذه القضية. وعلى الرغم من أن القرار لم يتطرق إلى الضربات السابقة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي استهدفت بنى تحتية داخل إيران وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلا أنه كان واضحاً وحاسماً في إدانته للتحركات الإيرانية.
وصف القرار الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنتها إيران مؤخراً ضد جيرانها من الدول العربية بأنها انتهاكات صارخة للقانون الدولي وتشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. كما دعا القرار إلى الوقف الفوري لهذه الهجمات، وأدان استهداف المناطق المدنية، مؤكداً في الوقت ذاته الحق الأصيل للدول المتضررة في الدفاع عن نفسها وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
تميزت صياغة القرار ببعدها عن اللغة التقليدية المتوازنة التي اعتاد مجلس الأمن استخدامها، وهو ما أدى إلى امتناع الصين وروسيا عن التصويت. وقد بررت الدولتان موقفهما بأن النص تجاهل ما وصفتاه بـ«الاعتداء الذي سبق هذه التطورات».
جاء اعتماد القرار بعد أيام قليلة من الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران، وما تبعها من رد إيراني. ويمثل هذا القرار المرة الأولى التي يصدر فيها مجلس الأمن إدانة مباشرة وموحدة بهذا الوضوح للهجمات العسكرية التقليدية التي شنتها إيران ضد عدة دول عربية ذات سيادة.
تستمد هذه الخطوة أهميتها من السياق التاريخي للعلاقات الإقليمية. فقبل الثورة الإيرانية عام 1979، كانت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي ركيزة أساسية للاستقرار في الخليج وشريكاً وثيقاً للغرب. إلا أن الثورة غيرت هذا الدور جذرياً، محولة إيران إلى دولة ثورية سعت إلى تصدير أيديولوجيتها وتحدي جيرانها. وقد أسهم هذا التحول في إشعال الحرب الإيرانية – العراقية بين عامي 1980 و1988، حيث قدمت دول الخليج العربية دعماً لوجستياً بمليارات الدولارات لنظام صدام حسين. وردت إيران حينها باستهداف ناقلات النفط المحايدة وزرع الألغام في مياه الخليج، مما دفع مجلس الأمن إلى إصدار قرارات تدعو إلى التهدئة، لكن تأثيرها ظل محدوداً.
عقب انتهاء الحرب، تراجعت طهران عن شن هجمات تقليدية مباشرة على أراضي الدول العربية، متبنية استراتيجية تقوم على بناء شبكات من الوكلاء المسلحين. فقد لعبت إيران دوراً محورياً في تأسيس «حزب الله» في لبنان عام 1982، ودعمت فصائل شيعية مسلحة في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، وساندت نظام بشار الأسد في سوريا، وزودت جماعة الحوثي في اليمن بالأسلحة منذ عام 2015. ومن خلال هذه الشبكات، وسعت إيران نفوذها الإقليمي مع تجنب الإدانة الدولية الواسعة.
على مدى عقود، ركزت قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإيران، من القرار 1696 الصادر عام 2006 إلى القرار 2231 في عام 2015، بشكل أساسي على برنامجها النووي وتطوير الصواريخ، بينما حظيت تدخلاتها الإقليمية بإشارات محدودة. غير أن التصعيد الأخير في شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2026 غيّر هذا المسار.
في ردها على الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل الأراضي الإيرانية، والتي استهدفت قيادات عليا في النظام، أطلقت إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية أميركية، بالإضافة إلى أحياء سكنية وموانئ ومطارات في كل من البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن.
في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث كتب هذا المقال، سقطت شظايا الصواريخ على مناطق سكنية وفنادق في دبي وأبوظبي، ما أسفر عن مقتل سبعة مدنيين من 25 جنسية مختلفة وإصابة أكثر من 120 شخصاً. وفي المقابل، أفادت السلطات الإيرانية بسقوط ضحايا مدنيين نتيجة الضربات الأولى التي استهدفت أراضيها. وقد صرح سفير دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة محمد أبو شهاب أمام مجلس الأمن عقب هذه الأحداث: «من خلال ضرباتها العشوائية، سعت إيران إلى نشر الرعب بين أفراد مجتمعنا، إلا أن شعبنا واجه هذه الهجمات بصمود لافت ووحدة راسخة».
كما شكلت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لمضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يبلغ عرضه نحو 21 ميلاً، ويمر عبره يومياً ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل خُمس الإمدادات النفطية العالمية. وتعتمد ناقلات النفط القادمة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق على هذا الممر الذي لا يتوافر له مسار بديل عملي. وقد سبق لإيران أن لوحت بتهديد هذا الشريان الحيوي خلال حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، وإذا تعطلت الملاحة فيه، فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط عالمياً وأضرار واسعة باقتصادات تمتد من أوروبا إلى آسيا.
أمام التهديدات المباشرة من الأراضي الإيرانية، تحركت دول مجلس التعاون لدول الخليج بسرعة ووحدة لافتة. ويعكس الدعم الواسع الذي حظي به القرار 2817 تحولاً استراتيجياً في دور دول الخليج، التي لم تعد تكتفي بردود الفعل، بل باتت تضطلع بدور متقدم في توجيه الدبلوماسية الدولية وصياغة أجندتها.
عززت العواصم الخليجية خلال السنوات الماضية منظوماتها الدفاعية ووسعت شبكاتها الدبلوماسية لتشمل شراكات تتجاوز التحالفات الغربية التقليدية. ومع اعتماد القرار 2817، أصبحت تحركات طهران مرتبطة رسمياً بتهديدات تمس السلم والأمن الدوليين، مما قد يفتح المجال أمام تداعيات ملموسة، تشمل تشديد العقوبات أو تعزيز الدعم لقدرات الدفاع لدى دول الخليج، وقد يزيد من عزلة إيران الدبلوماسية.
تحمل هذه التطورات رسالة واضحة إلى الحلفاء والشركاء الدوليين مفادها أن الدول العربية تتجه بصورة متزايدة إلى بناء أطرها الأمنية الخاصة وتقليل الاعتماد على الضمانات الخارجية. ومع ذلك، فإن ممارسة ضغط فعال على إيران لا يزال يتطلب توافقاً دولياً واسعاً. ويبرهن القرار 2817 على أن الدبلوماسية الجماعية التي تقودها الدول العربية قادرة على إحداث تأثير ملموس، حتى وإن لم تكن كفيلة بمفردها بحل جميع التوترات التي تشهدها المنطقة.
كتبه د. محمد إبراهيم الظاهري، نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، وإريك ألتر، عميد برامج الدراسات العليا في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة