مكتب عنبر: منارة دمشق التعليمية والتراثية.. تاريخٌ حيٌّ في قلب المدينة القديمة


هذا الخبر بعنوان "مكتب عنبر… ذاكرة دمشق التعليمية وروحها الحضارية المتجددة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ مكتب عنبر، الواقع في قلب دمشق القديمة، أكثر من مجرد بناء أثري؛ إنه شاهد حيّ على حقبة محورية في مسيرة التعليم العربي في سوريا. لقد كان هذا الصرح فضاءً فريداً امتزج فيه سحر المكان بعمق رسالته في بناء الإنسان، ليغدو منارة علمية وثقافية أسهمت بفاعلية في تشكيل وعي أجيال متعاقبة، وترسيخ قيم المعرفة الأصيلة والهوية الوطنية.
يتمتع مكتب عنبر بقيمة جمالية ومعمارية استثنائية، مما يجعله مثالاً بارزاً للعمارة الدمشقية التقليدية، حيث تتجلى فيه تفاصيل فنية متناغمة مع روح المكان العريقة. وفي وصفه لأجواء هذا الصرح، يشير الباحث أنس تللو، في دراسة منشورة ضمن مجلة التراث الشعبي الصادرة عن مديرية التراث اللامادي في وزارة الثقافة، إلى أن الزائر يمر عبر فسحة مسقوفة تقوده إلى رواق تدعمه أعمدة حديدية، تعلوه شرفة أنيقة. بعد ذلك، تنفتح الباحة الداخلية الفسيحة التي تتوسطها بحرة رخامية، وتُحيط بها عريشة خضراء تُشكل قبة طبيعية آسرة.
تضم الباحة في أحد جوانبها إيواناً واسعاً يستند إلى أعمدة رخامية، وتتصدّره قاعة كانت شاهداً على مسرح العلم والحوار. إن هذا التكوين المعماري لا يقتصر على الجمال البصري فحسب، بل يجسد فلسفة عميقة للمكان بوصفه حاضناً للمعرفة، ومساحة للتأمل والإبداع.
يقع مكتب عنبر في شارع مدحت باشا، الذي يُعدّ أحد أهم الشرايين التاريخية في دمشق. افتُتح هذا الصرح عام 1887 ميلادي تحت اسم "مكتب إعدادية ملكية"، ليصبح حينها الثانوية الوحيدة في دمشق وسوريا، مستقطباً الطلاب من شتى المناطق، كما وثّقت دراسة الباحث تللو المعنونة "مكتب عنبر… المدرسة العربية سحر المكان وبناء الإنسان".
شهد مكتب عنبر تطورات عدة، حيث عُرف لاحقاً باسم "سلطاني مكتبي"، ولعب دوراً محورياً في تعزيز الروح الوطنية خلال فترة الاحتلال الفرنسي. وفي عام 1935، استُحدث فيه صف للتعليم العالي بهدف تأهيل المعلمين، قبل أن ينتقل طلابه بين عامي 1936 و1937 إلى البناء الجديد الذي عُرف فيما بعد بـ ثانوية جودة الهاشمي.
بعد نيل سوريا استقلالها، تعددت وظائف مكتب عنبر؛ فكان مقراً لـ معهد التجهيز والفنون النسوية، ثم تحول إلى قصر للثقافة الشعبية. وقد خضع لاحقاً لأعمال ترميم واسعة أعادت إليه بهاءه الأصيل، ليظل اليوم معلماً ثقافياً وسياحياً بارزاً في دمشق.
لم تقتصر أهمية مكتب عنبر على عمارته الباهرة، بل تجلت بشكل أساسي في نخبة الأساتذة الذين تركوا بصمات عميقة في نفوس طلابهم. فقد درّس فيه أعلام بارزون، منهم سليم الجندي، الذي عُدّ من كبار علماء اللغة العربية، وعبد القادر المبارك، المعروف بسعة علمه اللغوي، والشاعر محمد البزم، الذي تميز بفصاحته العالية.
كما برز الأستاذ مسلم عناية، أستاذ الرياضيات، كنموذج فريد للعالم الموسوعي، حيث جمع بين التمكن العلمي والتعدد اللغوي والموهبة الموسيقية. اتسمت العملية التعليمية في تلك الحقبة بقدسية خاصة، إذ كان الطلاب ينظرون إلى أساتذتهم بوصفهم قدوة علمية وأخلاقية يُحتذى بها.
ويوضح تللو أنه على الرغم من غياب الوسائل التقنية الحديثة، فقد أثمرت تلك المرحلة عن تخريج شخصيات علمية مرموقة، بفضل تفاني المعلمين وفاعلية الأساليب التعليمية المتبعة، ومنها الطريقة المبتكرة التي اعتمدها محمد الداوودي في تبسيط النحو، أو الصرامة العلمية التي اشتهر بها الأستاذ القواس.
يُشكل مكتب عنبر اليوم نموذجاً متكاملاً يجمع بين التراث المادي واللامادي؛ فهو ليس مجرد مبنى أثري، بل هو ذاكرة تعليمية وثقافية تحتضن تجارب إنسانية ومعرفية عميقة. ومن هنا تتجلى أهمية الحفاظ عليه وصونه، ليس فقط كمعلم سياحي، بل كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة