استثناء المتقاعدين من زيادة الرواتب في سوريا: مخاوف على "التأمينات الاجتماعية" وتداعيات اقتصادية واجتماعية


هذا الخبر بعنوان "لماذا خرج المتقاعدون خارج حسابات زيادة الرواتب… وهل باتت “التأمينات الاجتماعية” في خطر ؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقيت فرحة السوريين منقوصة بعد استثناء المتقاعدين من مرسوم زيادة الرواتب الأخير بنسبة 50%، والذي صدر عن رئيس الجمهورية. هذا الاستثناء طال 476 ألف متقاعد، وهي شريحة تُعدّ الأولى بالرعاية، مما أثار تساؤلات ملحّة، خاصة وأنها المرة الأولى التي يُستثنى فيها المتقاعدون من مراسيم زيادات الرواتب والأجور. وكانت آخر زيادة بنسبة 200% قد شملتهم، رافعةً معاشاتهم إلى مستوى لم يعودوا يخجلون من البوح بتواضعه.
الزيادة التي سبقت الأخيرة وشملت المتقاعدين، كانت قد طمأنت المقبلين على التقاعد بأن حقوقهم محفوظة، وشجعت حالات التقاعد المبكر لمن استوفوا الشروط الدنيا. وقد شهدت المؤسسات العامة حينها كثافة غير مسبوقة في طلبات الاستقالة، مما وضع مؤسسة التأمينات الاجتماعية أمام خطر عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الأعداد الكبيرة من «زبائنها الجدد».
ففي السابق، كانت الاقتطاعات من كل خمسة موظفين على رأس عملهم تموّل راتب متقاعد واحد. أما اليوم، ومع تناقص أعداد الموظفين وتزايد أعداد المتقاعدين، بات كل عشرة موظفين بالكاد يمولون راتب متقاعد واحد. وهذا يشير إلى أن رواتب المتقاعدين ومعاشاتهم لم تعد في وضع آمن.
لطالما كانت الأحاديث والتحليلات المتزايدة حول احتمالات عجز المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه «جمهورها الآخذ بالازدياد» هاجساً يقلق متقاعدي سوريا. واليوم، مع عدم شمولهم بالزيادة الممنوحة للعاملين في الدولة، تعززت هذه المخاوف، وندم البعض على استقالته وإحالة استحقاقاته المالية إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية.
هذا الوضع قد يؤدي إلى تغيير في ظاهرة الاستقالات، حيث لن تكون هناك استقالات مبكرة، وسيقتصر الأمر على من بلغوا الستين من العمر، وهو سن التقاعد القانوني وفق مقتضيات القانون رقم 50 الصادر عام 2004. وهذا بدوره سينعكس على معالجة مشكلة فائض الموظفين أو «البطالة المقنعة» في الإدارة الجديدة للبلاد.
في بادرة قد تُعتبر إيجابية، نشر وزير المالية الدكتور يسر برنية بياناً على صفحته الشخصية في فايسبوك بخصوص مرسومي الزيادة رقم 67 و68، اللذين تضمنا زيادة رواتب كافة العاملين في الدولة بنسبة 50%، بالإضافة إلى زيادات نوعية للعاملين في بعض الوزارات كالتعليم العالي والتربية والأجهزة الرقابية.
تضمن منشور الوزير فقرة خاصة بمن أسماهم «أصحاب القدر» أي المتقاعدين، طمأنهم فيها إلى أن هناك معالجة قادمة لأوضاعهم لن تتأخر، ضمن سياق معالجة عامة للنظام التأميني في سوريا. وقد كتب الوزير حرفياً: «لم نهمل كبار القدر من أهلنا المتقاعدين، وهناك زيادة لهم في الفترة القادمة، حيث العمل جارٍ الآن لإصلاح منظومة التقاعد والمعاشات برمتها، لضمان الاستدامة المالية لهذه النظم (المؤسسات التأمينية) من جهة، وتحسين الخدمة للمتقاعدين من جهة أخرى. ولا يطول الوقت بعون الله».
على الرغم من طمأنة الوزير، فإن عدداً غير قليل من المتقاعدين أعربوا عن فقدانهم الثقة بالوعود الحكومية منذ زمن النظام البائد، مما جعل طمأنة الوزير غير كافية بالنسبة لهم. حالة الترقب الحذر لم تقتصر على المتقاعدين، بل امتدت إلى الخبراء أيضاً.
يرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور فاخر قربي، في حديث مع «المدن»، أن حرمان المتقاعدين من الزيادة سيؤدي إلى مشاكل اقتصادية واجتماعية عديدة. فالحرمان يقود إلى تآكل القوة الشرائية، وانخفاض دخلهم الحقيقي المباشر أمام ارتفاع الأسعار، مما يضعهم في دائرة الفقر الشديد. كما يتسبب في عدم التوازن الاجتماعي، ويخلق فجوة كبيرة بين الموظفين على رأس عملهم والمتقاعدين الذين يعتمدون على دخول ثابتة. ويضعف هذا الحرمان قدرتهم على مواجهة التضخم، حيث يميل المتقاعدون للاستهلاك من مدخرات ثابتة، والزيادة السنوية المحدودة غالباً لا تواكب التضخم، مما يجعلهم أكثر الفئات تضرراً.
لتجنب الآثار السلبية لهذا الاستثناء، يقترح الدكتور قربي زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المتزايد وتجنب التضخم، وضبط السيولة عبر سياسات نقدية مثل رفع الفائدة على الودائع. ويشدد على ضرورة دعم المتقاعدين وشمولهم بأي زيادات لضمان العدالة الاجتماعية وتلبية احتياجاتهم، بالإضافة إلى العمل على إصلاحات إدارية حقيقية تضمن تحسن أداء المؤسسات مع زيادة الرواتب.
من جانب آخر، لم يقلل الدكتور قربي من أهمية مرسوم الزيادة بشكل عام، معتبراً إياه خطوة جريئة لتعزيز الثقة بين الموظف والحكومة. ويرى أنها تحمل دلالات سياسية واجتماعية واقتصادية كبيرة، وتترك آثاراً إيجابية على الاقتصاد، وتشكل دافعاً قوياً للنمو الاقتصادي، شريطة أن تأتي في إطار سياسة مالية متوازنة تعزز التنمية الاقتصادية.
ستؤدي الزيادة إلى رفع القوة الشرائية للمواطنين المشمولين بشكل كبير، مما يعزز الاستهلاك المحلي وينعش القطاعات الاقتصادية. كما تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتقليص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وينعكس ذلك على الاستقرار المجتمعي ويخفف من البطالة. وتعد هذه الزيادة نقطة انطلاق لتحفيز سوق العمل عبر جذب الكفاءات وزيادة الإنتاجية وتحسين الأداء الوظيفي. كما تشجع على الادخار والاستثمار، ما يدعم القطاع المصرفي ويزيد من حجم السيولة في الاقتصاد.
وتلعب الزيادة دوراً محورياً في تعزيز الأداء الاقتصادي والاجتماعي في القطاعين العام والخاص، حيث تحسن مستوى المعيشة وتقلل الضغوط النفسية وتزيد القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية والترفيهية، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة الموظف وأسرته. كما تساهم في تحفيز أداء العاملين وزيادة ولائهم الوظيفي وانتمائهم لمؤسساتهم، مما يزيد من إنتاجيتهم ويقلل من معدلات التهرب من الأداء الوظيفي.
وتسهم هذه الزيادة في تحريك عجلة الاقتصاد السوري من خلال زيادة الإنفاق الاستهلاكي، ما يدعم نمو الأسواق المحلية ويشجع المنتجين على الاستثمار والعرض نظراً لزيادة الطلب. كما أنها تلعب دوراً اجتماعياً من خلال تقليل الفوارق الاجتماعية وتعزيز الشعور بالعدالة الاقتصادية. والأهم أن هذه الزيادة مدروسة ومتوازنة لتجنب التضخم أو الضغط على الميزانية العامة، حيث تأتي بعد فترة جيدة من ضبط سعر الصرف. وتُعد الأجور العادلة استثماراً في رأس المال البشري وضمانة لاستقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.
يبقى أمل المتقاعدين، الذين التقتهم «المدن»، معلقاً على ما يشبه «تهدئة الخواطر» التي قدمها وزير المالية عبر فايسبوك، حتى لو كان من الأفضل أن يصدر بياناً رسمياً باسم الوزارة. لكن المتحدث يبقى وزيراً، وبالتالي كلامه يؤخذ على محمل الجد. ويتمنى الجميع ألا يتأخر تنفيذ وعد الوزير لأن أوضاع المتقاعدين ليست بخير.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي