سياسة

إعمار الأحياء الشرقية بدمشق: خطة الـ 21 مليار دولار بين شروط "تعجيزية" ودروس من تجربة تركيا

zamanalwsl٢٥ آذار ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٩ ص12 مشاهدة
إعمار الأحياء الشرقية بدمشق: خطة الـ 21 مليار دولار بين شروط "تعجيزية" ودروس من تجربة تركيا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الأحياء الشرقية بدمشق: خطة إعمار بـ 21 ملياراً.. خسارة مزدوجة بين شروط الاستثمار وتجربة تركيا" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آذار ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مشهدين متناقضين، تتكشف جراح لم تندمل بعد، ففي 6 شباط 2023، ضرب زلزال مدمر جنوب تركيا، مخلفاً دماراً هائلاً طال أكثر من 311 ألف مبنى و872 ألف وحدة سكنية في 11 ولاية. تحملت الدولة التركية وحدها مسؤولية إعادة الإعمار، حيث دفعت 91.5 مليار دولار من خزينتها العامة وصندوق التأمين الإلزامي، وقدمت للمتضررين منازل جاهزة أو منحاً وقروضاً ميسرة. كانت الفلسفة التركية واضحة: الكارثة تصيب الجميع، ومواجهتها مسؤولية جماعية، فلم يُطلب من المواطنين أي مساهمة مالية في إعادة بناء منازلهم، ولم تُفرض عليهم شروط معقدة، بل كانت الدولة الضامن الوحيد لعودتهم إلى حياة كريمة.

على النقيض من ذلك، شهدت الأحياء الشرقية بدمشق – جوبر، القابون، حي تشرين – خلال عقد من الثورة، دماراً شاملاً غير مسبوق. لم يكن هذا الدمار نتيجة كارثة طبيعية، بل حصيلة سنوات من الحصار والقصف والاشتباكات الدامية، تلتها سنوات من الإهمال والتهميش. واليوم، بعد مرور أكثر من 7 سنوات على انتهاء العمليات العسكرية، لا تزال هذه الأحياء ركاماً، بينما تطرح محافظة دمشق خطة استثمارية بقيمة 21 مليار دولار، تتضمن شروطاً وضعت الأهالي أمام معادلة صعبة: فمن يملك منزلاً عليه دفع نصف تكلفة إعادة بنائه، ومن يملك عقاراً مسجلاً كـ "طابو زراعي" سيحصل على ما بين 25 و30% فقط من مساحة أرضه، محولة إلى شقق سكنية ضمن الأبنية الجديدة. يسعى هذا التحقيق، المكون من 3 حلقات، إلى مقارنة النموذجين وكشف تفاصيل الخطة الاستثمارية المثيرة للجدل، محاولاً الإجابة عن السؤال المحوري: هل سيكون إعمار سوريا مشروعاً وطنياً للتكافل، أم صفقة عقارية تكرس الظلم الاجتماعي على حساب أهالي المناطق المنكوبة؟

جغرافيا الدمار: من باب شرقي إلى حدود برزة

تمتد خطة إعادة الإعمار الحالية، التي أعلنت عنها محافظة دمشق، جغرافياً من باب شرقي وصولاً إلى حدود برزة. وتشمل هذه الخطة ثلاثة أحياء رئيسية تحملت العبء الأكبر للمعارك الأخيرة في الغوطة الشرقية:

  • جوبر: لم تكن مجرد حي سكني عادي، بل كانت بوابة الغوطة الشرقية ومسرحاً لمعارك طاحنة استمرت لسنوات. قبل عام 2011، كانت تضم نحو 15-20 ألف وحدة سكنية، تعرض أكثر من 85% من مبانيها لأضرار متفاوتة، بينما انهار كلياً أكثر من 60% من مساكنها.
  • القابون المجاورة: قبل الحرب، كان يقطنها نحو 25-30 ألف أسرة في منازل متواضعة تجمع بين البيوت القديمة والأبنية الحديثة. اليوم، أكثر من 70% من مبانيها غير صالحة للسكن، وقد شهدت تهجيراً قسرياً لآلاف العائلات.
  • حي تشرين: يمتد من نهر يزيد إلى حدود برزة. كان هذا الحي نقطة ارتكاز للمعارك الأخيرة قبل عام 2018، واستمرت معاركه العنيفة نحو 5 أشهر، حيث استُخدمت فيه خراطيم الـ TNT عبر كاسحات الألغام "UR-47". بلغت نسبة الدمار في الحي أكثر من 85%، مع انهيار كامل للمباني وفقدان البنى التحتية.

خطة الـ 21 ملياراً: استثمار أم تعويض؟

في مطلع عام 2026، كشفت محافظة دمشق عن خطة استثمارية ضخمة لإعادة إعمار الأحياء الشرقية المتضررة، قُدرت قيمتها بنحو 21 مليار دولار أمريكي. اشتملت الخطة على شقين رئيسيين: إعادة تأهيل البنية التحتية، وإنشاء مناطق سكنية وتجارية جديدة. وبحسب تصريحات محافظ دمشق، سيعتمد تمويل الخطة على مستثمرين محليين وخارجيين، حيث تسعى المحافظة لجذب رؤوس أموال من دول خليجية وشركات إنشاءات تركية، بالإضافة إلى "صندوق إعادة الإعمار السوري" الذي تأسس حديثاً، دون ذكر أي تمويل من البنك الدولي.

الشرط الأول: نصف التكلفة على من فقد كل شيء

يُطلب من مالك العقار الراغب بإعادة بناء منزله أن يدفع 50% من التكلفة الإجمالية للبناء، بينما تتولى الجهة المستثمرة تغطية النصف الآخر مقابل الحصول على حصص في العقار أو وحدات إضافية. يتحول هذا الشرط إلى عبء تعجيزي على أناس:

  • نزحوا قسراً منذ عام 2012 وفقدوا مصادر دخلهم.
  • نُهبت ممتلكاتهم وسُرقت محتويات منازلهم.
  • استُنزفت مدخراتهم خلال سنوات الاستئجار الطويلة.
  • عانوا من التضخم الجامح الذي أكل قيمة ممتلكاتهم.

الشرط الثاني: الطابو الزراعي.. ملكية تتحول إلى ربع مساحة

من أكثر القضايا تعقيداً هي العقارات المسجلة كـ "طابو زراعي". وبحسب آليات التعويض المسربة، فإن صاحب العقار سيحصل على حصة سكنية تعادل 25-30% فقط من مساحة أرضه الأصلية. هذا يعني أن من كان يملك منزلاً على أرض مساحتها 100 متر مربع، سيحصل على شقة لا تتجاوز مساحتها 25-30 متراً مربعاً (غرفة أو غرفتين صغيرتين). وتتفاقم المشكلة في الأبنية الطابقية؛ فإذا كانت الأرض بمساحة 100 متر ويقطنها 8 عائلات في 4 طوابق، فإن نسبة الـ 25-30% ستُقسم على العائلات الثماني، مما يجعل حصة العائلة الواحدة مجرد بضعة أمتار.

ماذا بعد؟ الانتظار والخوف من مصير مجهول

لقد وضعت هذه الشروط آلاف العائلات في حالة من القلق؛ فإما دفع مبالغ لا يملكونها، أو القبول بربع مساحة أملاكهم، أو البقاء في شتات النزوح. في الحلقة الثانية من هذا التحقيق، سيتم الكشف عن تفاصيل المخططات التنظيمية التي خصصت مساحات قياسية للمرافق العامة (كراجات، مشافٍ، حدائق) على حساب المساحات السكنية. أما الحلقة الثالثة، فستعود للمقارنة مع النموذج التركي والتكافل المؤسسي مقابل ما يصفه البعض بـ "الفردية المتوحشة". يتبع.. زمان الوصل

شارك الخبر: