الحرب الخفية: كيف يعيش السوريون صدى الصراع الاقتصادي والنفسي في الداخل والخليج؟


هذا الخبر بعنوان "عالمنا وسط الحرب" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم نضال الخضري
تتجلّى الحرب في سوريا اليوم بصورة غير مألوفة، فغالبًا ما تغيب صفارات الإنذار ودوي الانفجارات عن سمائها، ومع ذلك، فإن إيقاع المعارك يبقى حاضرًا بقوة، حتى في غياب "الأثر العسكري" المباشر. إنها حرب تحاصرنا بطريقة "سرية"؛ عبر صدى المفاوضات المرتقبة، ومن خلال شبح القلق الذي يلوح في الأفق، لعدم قدرتنا على تلمس الأثر الخفي الذي سيلاحقنا حتى بعد أن تصمت انفجارات الصواريخ.
يتساءل الكاتب عما إذا كان ارتفاع سعر صرف الدولار جزءًا من هذه الحرب، فزاوية النظر اليوم تتجه نحو واقع السوريين الموزعين في الخليج. هؤلاء السوريون، وإن كانوا في "مأمن" من الأثر المباشر للحرب، إلا أنهم يمثلون امتدادًا سوريًا داخل مناطق الخطر، وهامشًا اجتماعيًا ضمن مناطق واسعة بقيت جزءًا من المخرج السوري في زمن الأزمات.
عبر المسافة الفاصلة بين مكان آمن وبلاد تتقن إنتاج القلق، يظهر وجه آخر للحرب. يتجلى هذا الوجه في شعور عميق بأن المصير ما يزال معلقًا بخيط رفيع، وأن الاستقرار ليس سوى هدنة مؤقتة أمام ما تخلفه التسويات الكبرى حين تبدأ الخرائط بالتبدل. تتحول الطاولات السياسية إلى مصانع لإعادة تعريف الناس، وتحديد مواقعهم وأدوارهم، وأحقيتهم في العودة أو البقاء.
السوري في الخليج لا يعيش الحرب كحدث بعيد، حتى وإن بدا محاطًا بنظام يومي صارم وعمل منتظم. بل يعيشها من نافذة أخرى؛ من خلال التحويلات المالية التي تزداد قيمتها الاسمية كلما انهارت الليرة، وتزداد مرارتها كلما اتضح أن المال لم يعد يكفي لترميم ما تهدم في الداخل. يعيشها أيضًا عبر المكالمات القصيرة مع الأهل، التي صارت تختصر الحياة كلها في سؤالين جوهريين: "كيف الوضع؟" و"كم صار الدولار؟". ويضاف إلى ذلك الإحساس المربك بأن النجاة الفردية ليست نجاة كاملة، ما دام البيت الأول ما يزال داخل العاصفة، وما دام الخوف قادرًا على عبور الحدود أسرع من الطائرات.
لم تعد الحرب مجرد اشتباك على الأرض، بل تحولت إلى اقتصاد كامل للقلق. هناك قسوة خاصة في هذا النوع من الحروب، لأنها تجرّد الإنسان من قدرته على تحديد موقعه بدقة. فهل هو ناجٍ أم مؤجل الخسارة؟ هل هو خارج الحرب فعلاً أم أنه يعيش نسختها الاقتصادية والعاطفية؟ وهل يمكن لمن غادر الجغرافيا أن يغادر الأثر؟
لهذا تبدو الحرب اليوم أكثر غموضًا من صورتها التقليدية؛ فهي أقل صخبًا، لكنها أكثر تسللاً إلى التفاصيل الصغيرة. تظهر في اللغة والحسابات اليومية، وفي تعريف الأمان نفسه. وما بين الداخل الذي يحيا على حافة الاحتمال، والخارج الذي يراقب بقلق ويشارك في دفع الكلفة، يتشكل عالم سوري جديد. هذا العالم ليس في السلم تمامًا ولا في الحرب بمعناها المألوف، إنه عالم معلق يواصل العيش لأنه لا يملك رفاهية التوقف، ويواصل الخوف لأنه لا يملك ضمانة النهاية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة