هذا الخبر بعنوان "قسطون.. ذاكرة العاصي حين تكتب الأرض تاريخها في سهل الغاب" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب سهل الغاب، حيث تتناغم الجغرافيا مع إيقاع الماء والخصوبة، تبرز بلدة قسطون كشاهد حي على تعاقب الحضارات. لا تعد قسطون مجرد تجمع سكاني، بل هي طبقات متراكمة من التاريخ، تحتضن في تضاريسها حكايات ممتدة من عصور ما قبل الميلاد وصولاً إلى يومنا هذا. تقع البلدة على الضفة الشرقية لنهر العاصي، على بعد حوالي 80 كيلومتراً شمال غربي حماة، و35 كيلومتراً جنوب غربي إدلب، مما يمنحها موقعاً استراتيجياً فريداً ضمن واحدة من أغنى البيئات الزراعية في سوريا.
جذور ضاربة في عمق الحضارات
كشفت دراسة أُعدت سابقاً بعنوان “التلال الأثرية في سهل الغاب” أن الشواهد الأثرية في قسطون تدل على استيطان بشري قديم جداً، يتجلى أبرزها في تلّها الأثري الكبير، الذي يُصنف ضمن أقدم وأضخم التلال في سهل الغاب. يحمل هذا التل في طبقاته آثار حضارات متعاقبة منذ العصر الحجري وحتى عصور لاحقة. وتوضح نصوص تاريخية أن البلدة عُرفت في العصر الحديدي باسم “قطون” أو “قطان”، وقد ورد ذكرها في نصوص آشورية عُثر عليها في موقع كولتبه في الأناضول، الذي كان أحد أهم مراكز التجارة الآشورية القديمة. يعكس هذا الارتباط المبكر بشبكات حضارية واسعة في الشرق الأدنى القديم، بحسب دراسات نصوص كولتبه الآشورية.
قسطون في التراث… حصنٌ ومعنى واسم
لم تغب قسطون عن كتب الجغرافيين والمؤرخين العرب، فقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان قائلاً: “حصنٌ بالروج من أعمال حلب”، في إشارة إلى موقعها الدفاعي ضمن منطقة الروج التاريخية خلال العهد الأيوبي، وهو ما يؤكد أهميتها العسكرية والإدارية في تلك المرحلة. وفي لسان العرب، يربط ابن منظور بين كلمة “قسطون” وكلمة “قسط”، وهو مكيال للسوائل، مما يفتح احتمال ارتباط التسمية بنشاط اقتصادي قديم، وإن بقي هذا التفسير ضمن نطاق الاجتهاد اللغوي.
الماء والحجر… ملامح الحياة واستمرارية المكان
تزخر البلدة بمعالم تجمع بين البعد التاريخي والطبيعي؛ حيث يشكل برج الحمام نموذجاً معمارياً يعكس أنماط الحياة الريفية التقليدية، بينما يروي منزل أثري من العهد العثماني قصة استمرارية الاستيطان البشري في المكان. كما تحتفظ قسطون بعين ماء قديمة تُعرف بـ”عين شرّوف”، وإلى جانبها نهر يخترقها من الشرق إلى الغرب، تظهر في بعض أجزائه حجارة مرصوفة تدل على قدم استخدامها. يضاف إلى ذلك طريق حجري تاريخي كان يربطها بجسر الشغور شمالاً والسقيلبية جنوباً. ويتحدث كتاب “أرياف شمال سوريا من القرن الثاني إلى القرن السابع الميلادي” لعالم الآثار الفرنسي جورج تات عن وجود نفق يُرجّح أنه مائي يمتد من جبل الزاوية نحو البلدة، في دلالة على تطور تقنيات إدارة المياه في المنطقة عبر العصور، فيما تنتشر السواقي التقليدية على ضفاف النهر، في مشهد يعكس استمرارية العلاقة بين الإنسان والأرض.
مركز زراعي نابض بالحياة
بالقرب من البلدة، يقع سد قسطون بسعة تخزينية تبلغ نحو 27 مليون متر مكعب، وهو مقصد سياحي، خاصة وأنه أُقيم في موقع كان يُعرف باسم “القرقة”، وهي غابة من أشجار الحور والصفصاف اشتهرت بتوافد الطيور. تتميز قسطون ببيئة سهلية خصبة ومناخ معتدل، إذ يبلغ معدل الهطول المطري نحو 450 مم سنوياً، مما جعل الزراعة النشاط الأساسي للسكان، إلى جانب تربية المواشي وبعض الحرف المحلية، وذلك وفق تقارير صدرت في سنوات سابقة حول سهل الغاب. كما تتنوع محاصيلها بين القطن والقمح والبقوليات والشمندر السكري، مستفيدة من شبكة الري المرتبطة بنهر العاصي، ما يعزز دورها ضمن المنظومة الزراعية في المنطقة. بلغ عدد سكان البلدة قبل عام 2011 نحو 16 ألف نسمة، حسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء، ما جعلها أكبر بلدات ناحية الزيارة ومركزاً حيوياً في محيطها الريفي، رغم تبعيتها الإدارية لمحافظة حماة وقربها من حدود إدلب.
تمثل قسطون نموذجاً مكثفاً لبلدات سهل الغاب، حيث تتداخل طبقات التاريخ مع إيقاع الحياة اليومية، وتبقى الأرض، بما تختزنه من آثار وموارد، شاهداً على قدرة المكان السوري على حفظ ذاكرته. وفي هذا التلاقي بين الماضي والحاضر، تبرز قسطون بوصفها مساحة مفتوحة لقراءة تاريخٍ لم ينقطع، وإمكاناتٍ لا تزال تنتظر الاستثمار.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي