سوريا ما بعد الحرب: نداء إلى النخبة والعقل لبناء المستقبل وتجاوز تحديات الماضي


هذا الخبر بعنوان "زمن النخبة وعودة العقل إلى ساحة الوطن" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: جمعان العمير
يا أبناء سوريا، يا ورثة هذا التراب الذي ارتوى بدمائكم ودموعكم وصبركم، ويا من صمدتم في وجه العواصف لأكثر من خمسين عامًا، ثم واجهتم حربًا طاحنة دمرت الحجر والبشر على حد سواء. اليوم، أتوجه إليكم لأعلن أن معركتنا الكبرى لم تضع أوزارها بعد، بل تغير شكلها فحسب. لقد انتهت معركة ردع العدوان وتحرير البلاد في الثامن من كانون الأول، لكن سوريا لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار والراحة، بل دخلت مرحلة أشد صعوبة، تتطلب شجاعة من نوع مختلف؛ شجاعة لا تستمد قوتها من السلاح، بل من العقل والضمير، ومن النخبة التي غابت طويلًا أو تم تغييبها، والتي باتت اليوم مطالبة بالعودة والتقدم إلى الصفوف الأمامية لتكون الجسر الذي يعبر عليه الوطن نحو مستقبله المنشود.
لقد عشنا، يا أبناء سوريا، أربعة وخمسين عامًا تحت وطأة نظام طاغية مزّق نسيج المجتمع وعمّق الشروخ بين مكوناته، فزرع بذور الخوف بين الأخ وأخيه. ثم جاء الابن ليكمل مسيرة أبيه، فازدادت البلاد تمزقًا وتحول الوطن إلى جزر متباعدة، يخشى بعضها بعضًا. والآن، بعد أن استعاد الوطن أبناءه، وبعد سقوط الأصنام التي كبّلت البلاد، نقف جميعًا أمام تساؤل مصيري يفوق كل الأسئلة: هل سنعمل على إعادة بناء سوريا، أم أننا سنعيد إنتاج الخراب؟ هل سنكون أبناءً حقيقيين لهذه الأرض، أم سنصبح عبئًا عليها؟ هل سنشارك بفاعلية في نهضتها، أم سنكتفي بأن نكون شهودًا على سقوطها؟
إن الوطن الذي أنهكته سنوات الحرب، يا أبناء سوريا، لا يحتاج إلى أصوات صاخبة، بل إلى عقول نيرة. لا يطلب من يصرخ، بل من يفكر. لا ينتظر من يزايد، بل من يبني. اليوم، حان دور النخبة والمثقفين وأصحاب الوعي، أولئك الذين يدركون أن الكلمة قادرة على بناء وطن كما يهدمه الرصاص. اليوم، حان دوركم أنتم؛ أنتم الذين تقدرون قيمة الإنسان قبل قيمة الحجر، وتدركون أن سوريا لا تُبنى بالشعارات الجوفاء، بل بالصدق والإخلاص في العمل والتحلي بالمسؤولية.
بعد انتهاء معركة التحرير، يا أبناء سوريا، تبدأ معركة أشد ضراوة: معركة ردع الحمقى والجهلة والطائشين الذين يتوهمون أن الفوضى بطولة، وأن العبث شجاعة، وأن الوطن مجرد ساحة لاختبار نزقهم. هؤلاء، وإن لم يُصنفوا كأعداء بالمعنى التقليدي، إلا أنهم قد يكونون أحيانًا أخطر من العدو ذاته. فمنهم من لا يزال يحمل عقلية الفلول، ومنهم من يعيش بطيش لا مبالٍ، ومنهم من يتصور أن الوطن ملك خاص يمكنه العبث به كيفما يشاء. لكن سوريا اليوم لم تعد تحتمل العبث، ولا تقبل أن يُهدم ما بُني بدماء الشرفاء، ولا يمكن أن يُترك مصيرها في أيدي من يجهلون قيمة ترابها الطاهر.
يا أبناء سوريا، هذه البلاد ليست إرثًا لعائلة معينة، ولا غنيمة لفئة محددة، ولا ساحة لتصفية الحسابات الشخصية. إنها وطن، والوطن ملك لكل سوري، بغض النظر عن انتمائه أو لونه أو تاريخه. كل حبة تراب فيها أمانة، وكل قطرة دم سالت فيها وصية، وكل فرصة تُمنح فيها مسؤولية عظيمة. لقد أنهكتنا الحرب وفرّقتنا وشرّدتنا وأوجعتنا، فهل من المعقول بعد كل هذه التضحيات أن نعود إلى الوطن ونكرر الأخطاء ذاتها؟ هل نعيد إنتاج الكراهية؟ وهل نسمح للحمقى بأن يقرروا مصيرنا؟
يا أبناء سوريا الحرة، بكل أطيافها ومكوناتها، يا من دفعتم ثمنًا باهظًا لا يدفعه إلا شعب يتوق إلى الحياة. إن لم تكونوا صادقين مع أنفسكم في مرحلة البناء هذه، فلن يصمد شيء؛ لا الدولة ولا المجتمع ولا حتى أحلامكم الصغيرة. دعوا الخلق للخالق، واهتموا بما خُلقتم من أجله: أن تكونوا عونًا لوطنكم، سندًا لدولتكم، وشركاء فاعلين في نهضتها. سوريا اليوم ليست سوريا الأمس، بل هي سوريا جديدة تُكتب فصولها من جديد، وتحتاج إلى كل عقل، وكل يد، وكل ضمير. لقد انتهت الحرب الأولى، لكن الحرب الأهم قد بدأت للتو: حرب الوعي، حرب البناء، وحرب استعادة الإنسان. واليوم، نعلنها بصوت واحد: لن نسمح للحمقى بسرقة مستقبلنا مرة أخرى، ولن نسمح للجهل بأن يحكم مصيرنا، ولن نسمح للفوضى بالعودة. اليوم، يبدأ الوطن من جديد، ويبدأ بكم أنتم، بوعيكم وصدقكم وقدرتكم على أن تكونوا أبناء هذه الأرض بحق، لا أبناء اللحظة. يا أبناء سوريا، انهضوا، فالوطن يناديكم، والمستقبل ينتظركم، والتاريخ يُكتب الآن بأيديكم أنتم.
(موقع اخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد