اعتصامات فلسطينيي سوريا ضد الأونروا: تحول نوعي في الحراك الشعبي ومطالب بوقف تقليص الخدمات


هذا الخبر بعنوان "قراءة في اعتصامات فلسطينيي سوريا ضد سياسات الأونروا المجحفة" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سوريا، يوم الخميس السادس والعشرين من آذار/مارس الحالي، موجة احتجاجات متزامنة أمام مراكز وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). يعكس هذا المشهد تحولًا نوعيًا في سلوك اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وانتقالهم من حالة الصمت إلى الفعل الجماعي المنظم، رفضًا لسياسات تقليص الخدمات والمساعدات المالية والغذائية، في ظل أوضاع معيشية متدهورة.
ما ميّز هذه التحركات أنها لم تكن محصورة أو محدودة، بل جاءت متزامنة في عدة مناطق، من مخيم اليرموك في قلب العاصمة السورية دمشق، إلى مخيم درعا وتجمع المزيريب جنوبي البلاد. يدل هذا التزامن على اتساع رقعة الغضب الشعبي وتحوّله إلى حالة عامة، ويعكس مستوى من التنظيم والتنسيق، مؤكدًا أن ما يجري ليس رد فعل عابرًا، بل بداية مسار احتجاجي قابل للتصاعد.
وقد خرج عشرات اللاجئين، من مختلف الفئات العمرية، في وقفات سلمية، استجابةً لدعوة "تجمع الناشطين الفلسطينيين في سوريا". رفع المشاركون شعارات تؤكد حقهم في العيش الكريم ورفضهم لسياسات التقليص والإهمال، في رسالة واضحة مفادها أن الصمت لم يعد خيارًا بعد مرور سنوات عجاف.
لا يمكن فهم هذه الاحتجاجات بمعزل عن السياق الاقتصادي والإنساني القاسي الذي تعيشه المخيمات. فمع تفاقم الأوضاع المعيشية، وتراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف الحياة ونسب الفقر والبطالة، أصبحت المساعدات التي تقدمها الأونروا شريانًا أساسيًا لبقاء آلاف العائلات. وقد أكد المحتجون أن توقف المساعدات، سواء الغذائية أو المالية، فاقم من معاناتهم اليومية، خاصة أن شريحة واسعة من اللاجئين تعتمد بشكل شبه كامل على خدمات الوكالة لتأمين احتياجاتها الأساسية. وفي ظل وصول نسب الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، لم تعد المطالب مرتبطة بتحسين الظروف، بل بتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
كشفت الأحداث التي رافقت الاعتصامات عن فجوة واضحة بين الخطاب الإنساني الذي ترفعه المؤسسات الدولية، وبين آليات تعاملها الفعلية مع اللاجئين. ففي مخيم اليرموك، لم يحضر مدير الوكالة إلى موقع الاعتصام، ولم يصدر أي تعليق رسمي أو محاولة مباشرة لاحتواء المحتجين، ما زاد من حالة الاحتقان. كما أثارت مغادرة وفود أجنبية من مبنى الوكالة، قبيل بدء الاعتصام بلحظات، تساؤلات لدى المشاركين، في مشهد عكس حالة من الغموض وغياب الشفافية في التعامل مع الحدث.
وفي نهاية الاعتصام، جرى تسليم مطالب المحتجين عبر موظف داخل مكتب الوكالة، من دون توضيح رسمي حول آلية التعامل معها، ما يعكس نمطًا إداريًا يفتقر إلى التواصل المباشر مع أصحاب القضية. وقد عكس ذلك سخطًا مضاعفًا لدى المعتصمين، وزاد لديهم حالة الشعور بالتجاهل وعدم المبالاة.
ورغم حالة الغضب، حافظت التحركات على طابعها السلمي والمنظم، حيث اقتصرت على وقفات احتجاجية ورفع لافتات وتسليم بيانات مكتوبة بالعربية والإنكليزية. وهذا يعكس إدراكًا متقدمًا لدى اللاجئين بأهمية الحفاظ على شرعية تحركهم، وتوجيه رسائل واضحة للمجتمع الدولي. وقد تمحورت مطالب المحتجين حول إعادة المساعدات، ووقف سياسات التقليص، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية في مجالات الإغاثة والصحة والتعليم، مؤكدين أن هذه الحقوق ليست منّة، بل التزام قانوني وأخلاقي على عاتق الوكالة، هذه المؤسسة الدولية التي أُنشئت من أجل ضمان إغاثتهم وتشغيلهم وحماية حقوقهم، لحين العودة إلى ديارهم في فلسطين.
إن غياب أي رد رسمي من الأونروا على هذه التحركات، وعدم وجود تواصل مباشر مع المحتجين، يعكس أزمة ثقة متنامية بين اللاجئين والمؤسسة المعنية بخدمتهم. فالمشكلة لم تعد فقط في تقليص الخدمات، بل في طريقة إدارة الأزمة والتعامل مع مطالب الناس المحقة. كما أن هذا الحراك لا يقتصر في انتقاداته على الأونروا، بل يمتد ليشمل مختلف الجهات المعنية بملف اللاجئين، في ظل تساؤلات متزايدة حول دور المؤسسات الفلسطينية وفعالية الجهات الرسمية في الدفاع عن حقوق اللاجئين وتحسين أوضاعهم، وفي مقدمتها الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، ودائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والفصائل الفلسطينية خارج إطار منظمة التحرير. هذه الجهات التي سجلت غيابًا واضحًا، سواء عن هذا الاعتصام أو عن أي حراك يقع ضمن صميم مسؤولياتها الوطنية.
ولقد حرص منظمو الاحتجاجات على التأكيد أن تحركهم لا يستهدف إغلاق الأونروا أو المساس بدورها، بل يهدف إلى تصحيح مسارها. فقد شدد "تجمع الناشطين الفلسطينيين في سوريا" على أن الوكالة تمثل "الشاهد الدولي الحي على القضية الفلسطينية"، وأن المطلوب هو قيامها بمسؤولياتها لا إلغاؤها. وهذا الموقف يعكس وعيًا سياسيًا مهمًا في أوساطهم، يميّز بين المؤسسة كإطار دولي ضامن لحقوقهم، وبين السياسات التي تحتاج إلى مراجعة ومساءلة.
لا يمكن فصل إطلاق حملة "بدنا حقنا" من قِبل مبادرة فلسطينيي سوريا للرقابة الشعبية – مرصد، عن موجة الاعتصامات الأخيرة، بل تبدو هذه الاعتصامات امتدادًا طبيعيًا لها على المستوى التنظيمي والحقوقي. فبينما عبّرت الوقفات الاحتجاجية عن الغضب الشعبي في الشارع، كانت الحملة قد دعت لتأطير هذا الغضب ضمن مسار رقابي واضح، قائم على التوثيق والمساءلة وتوحيد المطالب. وتتطابق مطالب الحملة بشكل مباشر مع الشعارات التي رفعها المعتصمون، وعلى رأسها استعادة المساعدات النقدية والغذائية التي انقطعت لأكثر من عام ونصف، وضرورة الشفافية في قرارات الأونروا، وفتح قنوات تواصل حقيقية مع اللاجئين.
كما أن البيان المفتوح للتوقيع الذي أصدرته الحملة ينسجم مع انتقال الحراك من مستوى الاحتجاج الخطابي المفاهيمي إلى مستوى الضغط والحراك المؤسسي المنظم على الأرض، عبر إشراك الأفراد والهيئات والفعاليات المجتمعية في تبني المطالب والدفاع عنها، وترجمتها عبر حراك شعبي سلمي في الميدان. بهذا المعنى، يشكّل التلاقي بين الحملة والاعتصامات مؤشرًا على نضج الحراك، حيث لم يعد مجرد رد فعل آني، بل بات مسارًا متكاملًا يجمع بين الفعل الميداني والعمل الحقوقي، في محاولة لبناء قوة ضغط مستمرة تفرض على الأونروا إعادة النظر في سياساتها المجحفة، والاستجابة لمطالب اللاجئين.
تشير تصريحات المنظمين إلى أن هذه التحركات تمثل "خطوة أولى"، مع تحذيرات واضحة من تصعيد الاحتجاجات في حال استمرار تجاهل المطالب. وهذا يضع المخيمات الفلسطينية في سوريا أمام مرحلة جديدة قد تتسم بمزيد من التنظيم والتوسع في الحراك الشعبي. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافيًا، ووضوح المطالب، وتزايد المشاركة الشعبية، يبدو أن هذا الحراك مرشح لأن يتحول إلى حالة ضغط مستمرة، تسعى لفرض إعادة النظر في سياسات الوكالة.
تعكس اعتصامات فلسطينيي سوريا لحظة مفصلية في مسار العلاقة بين اللاجئ والمؤسسات الإنسانية، وفي مقدمتها الأونروا. فهي ليست مجرد احتجاجات على تقليص خدمات، بل تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بالكرامة، والعدالة، والحق في العيش. وفي ظل غياب الاستجابة الرسمية حتى الآن، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستجيب الأونروا لهذه الرسائل قبل أن يتصاعد الحراك، أم أن المخيمات مقبلة على مرحلة أكثر توترًا؟ في كل الأحوال، يبدو أن ما حدث لم يكن نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة عنوانها: الحقوق لا تُطلب بصمت، بل تُنتزع بصوت وحراك جماعي شعبي سلمي منظم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة