الموازنة السورية 2026: بين طموح الأرقام المليارية وتحدي تحسين معيشة السوريين


هذا الخبر بعنوان "بين ضجيج المليارات وواقع الأسواق.. هل تُترجم موازنة 2026 إلى انفراجة في جيوب السوريين؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم محمد راكان مصطفى: لم تعد الموازنة العامة مجرد كشوفات رقمية صماء، بل أصبحت تعكس فلسفة اقتصادية متجددة تسعى لانتشال الواقع المالي من جمود الجداول إلى حيز التنفيذ الفعلي. ومع ذلك، تبرز تساؤلات مشروعة بين الأرقام المليارية للموازنة وصخب الأسواق، حول مدى جدوى هذا الفائض المالي إن لم ينعكس بشكل ملموس على جيوب المواطنين.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، خليل حمدان، أن الموازنة العامة تتجاوز كونها مجرد جدول أرقام، لتكون تعبيراً عن فلسفة الدولة في إدارة مواردها. وتشير الأرقام المطروحة اليوم إلى محاولة لإعادة تنظيم المشهد المالي وبناء مقاربة أكثر وضوحاً وشمولية.
وأوضح حمدان في حديثه لصحيفة "الوطن" أن الحديث عن موازنة تقارب 10 مليارات دولار وتحقيق فائض، يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالسنوات السابقة التي لم تكن فيها الموازنات تعكس الحجم الحقيقي للإنفاق والإيرادات بشكل كامل. ففي فترات سابقة، كان العمل يتم بنظام الإنفاق الشهري، أو ما يُعرف بالموازنة الاثنتي عشرية، حيث كان الصرف يتم شهرياً ضمن حدود ضيقة دون وجود موازنة سنوية مكتملة، مما كان يحد من وضوح الصورة المالية ويجعل الأرقام المعلنة أقل تعبيراً عن الواقع الحقيقي.
ولفت أستاذ الاقتصاد إلى أن الاتجاه الحالي يختلف، حيث يقوم على تجميع الموارد والإنفاق ضمن موازنة سنوية أكثر شمولية، وهو ما يوفر تقديراً أدق لحجم الاقتصاد العام ويعزز القدرة على التخطيط المالي. ويرى حمدان أن الزيادة الكبيرة في حجم الموازنة، التي تقدر بنحو خمسة أضعاف مقارنة بالسنوات الماضية، تعكس تغيراً واضحاً في طريقة إدخال الموارد ضمن الإطار الرسمي. ويُعد هذا تطوراً مهماً يعزز الشفافية ويقرب الأرقام من الواقع الفعلي للاقتصاد.
كما يظهر اتجاه جديد يتمثل في إدخال إيرادات كانت خارج الموازنة سابقاً، مثل النفط والغاز، إلى جانب الإيرادات التقليدية من الضرائب والرسوم، إضافة إلى المنح والدعم الخارجي. وهذا يعطي صورة أكثر تكاملاً عن مصادر الدخل العام.
وفيما يتعلق بالإنفاق، أشار حمدان إلى أنه يتوزع بشكل رئيسي على الرواتب والأجور التي تشكل نسبة كبيرة من الموازنة، بالإضافة إلى الإنفاق الاجتماعي المرتبط بالصحة والتعليم والدعم، والنفقات التشغيلية والاستثمارية. وهذا يعكس توجهاً نحو إعطاء البعد الاجتماعي وزناً أكبر في السياسات المالية. وعند مقارنة هذه الموازنة مع دول أخرى، يتضح، وفقاً لحمدان، أن حجمها لا يزال متواضعاً قياساً بحجم السكان والاحتياجات الاقتصادية؛ ففي العديد من الدول متوسطة الدخل تتجاوز الموازنات عشرات المليارات، بينما تصل في الدول المتقدمة إلى مئات المليارات. لكن الفرق الحقيقي لا يكمن في الحجم فقط، بل في كفاءة الإنفاق وقدرته على تحقيق أثر ملموس.
وأضاف حمدان أن معدلات النمو لا تقاس فقط بزيادة الأرقام، بل بمدى تحسن الإنتاج الحقيقي واستقرار السوق وزيادة فرص العمل، مما يجعل قراءة الموازنة بحاجة إلى ربطها بمؤشرات الأداء الاقتصادي الفعلي.
ومع ذلك، أوضح أستاذ إدارة الأعمال أن ارتفاع حجم الموازنة لا يرتبط فقط بتوسع النشاط الاقتصادي، بل يتأثر أيضاً بعوامل نقدية مثل تغير قيمة العملة ومستوى الأسعار، مما يستدعي فهماً أوسع للسياق الاقتصادي عند قراءة هذه الأرقام. وفي هذا الإطار، يجب ألا تكون المقارنة بين الموازنات القديمة والجديدة رقمية فقط، بل وظيفية أيضاً؛ أي كيف تُبنى الموازنة؟ وكيف تُنفّذ؟ وما أثرها الفعلي على الاقتصاد؟ لافتاً إلى أن الموازنات في السابق كانت أقرب إلى تقديرات شكلية لا تعكس واقع التنفيذ بشكل كامل، بينما يبدو أن التوجه الحالي يسعى لبناء موازنة أكثر شمولية وربطاً بالموارد الفعلية، وهو تحول مهم في الاتجاه الصحيح.
وشدد حمدان على أن النقطة الأهم تبقى أن الموازنة لا تقاس بحجمها فقط، بل بقدرتها على تحسين الواقع المعيشي. وتساءل: هل انعكس هذا التحول على القوة الشرائية؟ وهل أصبح الدخل أكثر قدرة على مواكبة الأسعار؟ وهل تحسنت حركة السوق؟ منوهاً بأن هذه المؤشرات هي التي تمنح الأرقام معناها الحقيقي وتحدد ما إذا كان التحسن اقتصادياً فعلياً أم مجرد تحسن في طريقة عرض البيانات. كما أن الحديث عن تحقيق فائض يكتسب قيمة أكبر عندما يكون مرتبطاً بنمو الإنتاج وتحسن الإيرادات المستدامة، وليس فقط بإعادة تنظيم الأرقام أو ضبط الإنفاق.
واختتم حمدان بالقول: في المحصلة، تحمل الموازنة الجديدة إشارات إيجابية مهمة مقارنة بالموازنات السابقة، سواء من حيث الشفافية أو شمولية الإيرادات أو وضوح التوجهات. وهذا يعكس رغبة واضحة في السير باتجاه إصلاح اقتصادي تدريجي يضع الإنسان في صلب الأولويات. لكن اكتمال هذا التحول يتطلب أن ينعكس بشكل مباشر على حياة الناس، بحيث تتقلص الفجوة بين ما يُعلن في الأرقام وما يلمس في الواقع. وعند هذه النقطة فقط، يمكن القول إن الأرقام لم تعد مجرد مؤشرات مالية، بل أصبحت تعبيراً حقيقياً عن تحسن اقتصادي ملموس.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي