محمد محمود هرشو يروي: من "الأمل" إلى "الخسرفية".. رحلة تشكيل الهوية السورية في مواجهة الاستقطاب


هذا الخبر بعنوان "بين "الأمل" و"الخسرفية".. كيف يُصنع السوري خارج القوالب الضيقة؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن قرار تعليم الابن البكر مجرد تفصيل عابر في حسابات الحاج محمود، فقد حرص والدي على تسجيلي في أفضل المدارس، وفتح أمامي آفاقاً واسعة، شملت حتى الخيارات التي لم تُدرس بجدية كفكرة المدارس الداخلية في لبنان. لكن، وكأي تجربة أولى، لم يوفق دائمًا في الاختيار. شهدت سنوات التأسيس الأولى، من الصف الأول حتى الثالث الابتدائي، أربعة تبديلات مدرسية، قبل أن يستقر بي المقام، بوساطة من المطرانية، في مدرسة "الأمل". لم تصبح هذه المدرسة مجرد مكان للدراسة بالنسبة لي، بل غدت لاحقاً مدرسة إخوتي جميعاً.
في "الأمل"، تجاوزنا المناهج الدراسية لنتعلم أدب الكلام، واحترام الناس، والمعنى الإنساني للحياة، والمواطنة بمفهومها الصحيح: علاقة بين الإنسان والآخر، لا بين الطائفة والطائفة. لا تزال صورة والدتي ماثلة في ذهني، وهي تبحث بقلق عن فتوى تبيح لي زيارة الكنيسة خلال رحلة مدرسية. كانت تسأل عن الحكم الشرعي، وكأنها تخشى أن يخطئ قلب طفل في حب المكان. يومها، أجابتها صديقتها، الباحثة وزوجة الباحث في العلوم الشرعية، ببساطة عميقة: "هي بيت الله". لم تكن تلك إجابة عابرة، بل كانت درساً كاملاً في الفهم، وفي كسر حاجز الخوف الذي يُزرع أحياناً باسم الدين.
كبرتُ، واتسعت معي مساحة الأسئلة. وفي لحظة من العناد والتمرد، اخترت متابعة دراستي في إحدى الثانويات الشرعية. هناك، تحت قباب "المدرسة الخسرفية"، اكتشفت وجهاً آخر للمعرفة. لم يكن هذا الانتقال من ضفة إلى أخرى، كما ظن البعض، بل كان امتداداً طبيعياً لما بدأ في "الأمل". والجميل في الأمر أن أحداً لم يستغرب: فالمدرسة المسيحية لم تشعر أنني "غادرت"، ولا المدرسة الشرعية اعتبرتني "قادماً من خارج السياق". كلاهما تصرفا ببساطة لأنهما، في الجوهر، مدارس سورية.
في "الخسرفية"، تتلمذت على يد من علمني أن "لا إكراه في الدين". وهناك أيضاً، اختبرت نفسي بجهد مضاعف، بين المواد الإضافية والبحث الداخلي عن معنى الإيمان الذي لا يُورث بل يُختار. إيمان يُبنى على قناعة، لأن الحساب، في النهاية، فردي، في يوم نعرفه جميعاً: يوم تُبعثون. رحم الله من مرّوا في هذه الرحلة: الأخت مارييت، الشيخ يوسف، الأب أندريه، الشيخ علي، أبو اسبير، الشيخ عبد الرحمن، وكل من ساهم في تشكيل هذا المعنى البسيط والعميق: أن تكون سورياً قبل أي شيء آخر.
لكن، في مقابل هذه التجربة الثرية، يتشكل اليوم مشهد آخر في سوريا، مشهد يقوم على الاستقطاب، وعلى إعادة تعريف الناس وفق هويات ضيقة، وعلى دفعهم، بوعي أو بدونه، إلى التخندق داخل طوائفهم. ليس هذا نتاجاً عفوياً بالكامل، بل هو مناخ يُدار ويُترك ليتفاقم، تحت نظر سلطة تعرف ما يجري، وتختار أن تغض الطرف حيناً، أو توظفه حيناً آخر. الخطر هنا لا يكمن فقط في الانقسام، بل في تحويله إلى حالة طبيعية، إلى "واقع لا بد منه"، بينما هو في الحقيقة نقيض ما عرفه السوريون لعقود.
فالمشكلة ليست في التنوع بحد ذاته، بل في تسييسه، وفي تحويله من مصدر غنى إلى أداة فرز. سوريا التي عرفتُها، بين "الأمل" و"الخسرفية"، لم تكن تحتاج إلى تعريف نفسها طائفياً. كانت تعرف نفسها بالناس، بالعلاقات، بالمدارس التي لا تسأل عن هويتك قبل أن تفتح لك بابها. ستبقى سوريا، رغم كل شيء، أرض السريان، وأرض المسيحيين كما المسلمين، كما كانت قبل ألفي عام. وستبقى فكرة العيش المشترك فيها أقوى من كل محاولات إعادة تشكيلها على مقاس الانقسام. لكن هذا لن يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى من يرفض الانجرار، ومن يصرّ على أن الإنسان قبل الأديان، وأن سوريا، ببساطة، ليست مشروع طوائف، بل مشروع حياة.
سوريا محلي
سياسة
اقتصاد
سياسة