سد النبك بالقلمون: إرث مائي تاريخي يواجه الإهمال وتحديات الأمن المائي


هذا الخبر بعنوان "سد النبك في القلمون… تاريخ مائي قديم بين الحاجة والإهمال" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب منطقة القلمون الغربي، حيث تتدفق السيول الموسمية من السلاسل الجبلية نحو السهول الداخلية، يقف سد النبك كشاهد على جهود مبكرة لتنظيم الموارد المائية في إحدى أكثر المناطق السورية جفافاً. هذا السد، الذي يعود تاريخ إنشائه لأكثر من نصف قرن، لا يزال يشكل جزءاً لا يتجزأ من المشهد الطبيعي ومحوراً للجدل المحلي المتعلق بإدارته ووظيفته الحالية.
تنبع السيول في هذه المنطقة من جبال القلمون الغربية، القريبة من الحدود اللبنانية، وتتبع مجرى طبيعياً تشكل على مدى مئات السنين، ويُعرف محلياً بـ"مجرى السيل". يمر هذا المجرى بعدة مناطق، وصولاً إلى مدينة النبك حيث يخترقها لمسافة تقارب ستة كيلومترات، ثم يستمر باتجاه الأراضي الزراعية الواقعة على الحدود الإدارية الفاصلة بين النبك ودير عطية. في هذه النقطة بالذات، شُيّد السد المعروف حالياً بـ"سد دير عطية" أو "سد النبك"، والذي كان يُعرف سابقاً بـ"سد مجر القلمون" بحسب تسمية وزارة الأشغال العامة. يُصنف السد ضمن النوع التجميعي، مما يعني أنه صُمم خصيصاً لتجميع مياه السيول الموسمية، وليس للاستخدام المباشر كمياه شرب أو لأغراض الري.
وفقاً لمعلومات تاريخية محلية، طُرح مشروع السد للتنفيذ عام 1967 من قِبَل مديرية أشغال حمص، وتم تنفيذه في العام التالي 1968، بإشراف المتعهدين أحمد باكير ومحمد العوم. شاركت ورشات عمل محلية في عمليات البناء، حيث جرى تنفيذ الأعمال الترابية باستخدام معدات هندسية حكومية، بينما قام عمال من دير عطية والمناطق المجاورة بمهام رصف الحجارة ونقلها من الجبال المحيطة.
يقع جسم السد فوق القناة الرومانية القديمة في دير عطية، تحديداً على خط الفصل الإداري بين المدينتين، في حين تمتد بحيرته ضمن أراضي النبك. يعتمد تصميم السد على بنية ترابية مدعمة بالحجارة، ويحتوي على مفيض في الجهة الغربية يهدف إلى تصريف المياه الزائدة بشكل طبيعي عند ارتفاع منسوبها.
كان الهدف الأساسي من بناء السد هو تغذية المياه الجوفية، وذلك من خلال تجميع السيول والسماح لها بالتسرب إلى باطن الأرض، مما يدعم الآبار في كل من منطقتي النبك ودير عطية. غير أن هذا الدور الحيوي قد تراجع بمرور الزمن، بسبب الإهمال وتراكم المخلفات ضمن مجرى السيل.
يشير الدكتور خالد الهبشة، وهو أحد أهالي مدينة النبك، إلى أن مجرى السيل قد تعرض خلال السنوات الماضية لتعديات متعددة، شملت رمي الأنقاض ومخلفات البناء، بالإضافة إلى النفايات المنزلية التي تأتي من المناطق المجاورة، وخاصة مزارع السقي. هذه التراكمات تعيق التدفق الطبيعي للمياه، وتؤثر سلباً على كفاءة السد في تجميع السيول.
وأضاف الدكتور الهبشة أن نظام التصريف الطارئ في السد، الذي يعتمد على فتحات داخلية لتسريع تدفق المياه عند وقوع سيول جارفة، يستدعي صيانة دورية لضمان فعاليته، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية التي تزيد من احتمالية حدوث هطولات غزيرة مفاجئة.
في المقابل، يوضح متابعون للشأن المحلي أن بعض الروايات المتداولة بشأن إدارة السد أو التلاعب بمياهه تفتقر إلى الدقة، مشددين على أهمية الرجوع إلى المصادر الرسمية والتاريخية عند معالجة هذا الملف، لا سيما وأن السد قد أُنشئ قبل عقود من التحولات السياسية التي مرت بها البلاد لاحقاً.
اليوم، وفي ظل الحاجة المتزايدة لإدارة الموارد المائية في سوريا، يعود سد النبك إلى الواجهة كأحد المشاريع التي يمكن إعادة تأهيلها واستثمارها بفاعلية، شريطة التعامل مع التحديات البيئية المحيطة به وتنظيم مجرى السيل، بما يضمن استعادة دوره الأساسي في تغذية المياه الجوفية.
في ظل شح المياه وتراجع معدلات الهطول المطري في المنطقة، تبدو إعادة الاعتبار لهذا السد ضرورة ملحة، ليس فقط بصفته منشأة قديمة، بل كجزء حيوي من منظومة مائية قادرة على الإسهام في تعزيز الأمن المائي المحلي، إذا ما أُحسن استثمارها وإدارتها.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي