صراع أميركا وإيران بعد شهر: قرارات واشنطن رهينة مزاج ترامب وسعيه لـ«نصر» شخصي


هذا الخبر بعنوان "شهر على الحرب: أميركا رهن «مزاج» ترامب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُسلّط يحيى دبوق الضوء على نموذج دونالد ترامب، الذي يجمع بين السلطة والغرور واستغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، باعتباره عاملاً رئيسياً يؤثر بشكل واضح في مسار الحرب ضد إيران. هذا التأثير يمتد ليشمل قرار شنّ الحرب، استمرارها، والبحث في نتائجها المستقبلية. بعد مرور شهر على بدء هذه الحرب، فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الأولية المخطط لها. حالياً، يبدو أن جهود ترامب تتركز على صياغة سردية انتصار يمكن تسويقها داخلياً وخارجياً.
لكن في ظل غياب هذه السردية الواضحة، تواجه الإدارة الأميركية صعوبة بالغة في إيجاد خيارات لتعويض فشلها في تحقيق الأهداف المعلنة، أو حتى لابتكار صورة النصر التي تسعى إليها أميركا.
تعكس التوجهات المتناقضة داخل الإدارة الأميركية مأزق صانع القرار، مما يكشف عن حالة من الارتباك الاستراتيجي. فبينما تشير تقارير إعلامية أميركية، منها ما نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، إلى استعداد «البنتاغون» لعمليات برية قد تمتد لأسابيع وتشمل السيطرة على «جزيرة خارك» النفطية التي تتحكم بـ«مضيق هرمز»، يروّج نائب الرئيس، جي دي فانس، في الوقت ذاته، لرواية النصر، مؤكداً أن «جميع الأهداف العسكرية تحققت» وأن الحرب ستنتهي قريباً.
في المقابل، ينفي ترامب ضرورة نشر قوات برية، بينما تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض أن «باب الجحيم سيُفتح». هذه التناقضات تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتورط في حرب برية أم ستنسحب بعد إعلان «النصر».
كلا الخيارين المتاحين، التصعيد أو الانسحاب، يبدوان محفوفين بالتحديات والمخاطر. فخيار التصعيد البري، الذي يدعمه «البنتاغون»، قد يعرض القوات الأميركية للخطر ويورطها في حروب طويلة الأمد تلقى معارضة شعبية واسعة. كما أن نتائجه غير مؤكدة، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية وأسوأ بكثير مما شهدته الحالتان الأفغانية والعراقية.
أما خيار الانسحاب السريع، الذي يلمّح إليه فانس بحجة «تحقق الأهداف»، فيمثل إقراراً عملياً بالفشل وانتكاسة لقوة أميركا العظمى أمام إيران. هذه الانتكاسة لن تتمكن أي سردية لاحقة من تغطيتها أو إبطال تداعياتها على صانع القرار في واشنطن (ترامب ومن معه)، وعلى مصالح الدولة الأميركية حول العالم، والتي تواجه بالفعل تحديات جسيمة.
بغض النظر عن سردية الانتصار التي قد تسعى الإدارة لتسويقها داخلياً وخارجياً، يبقى القرار النهائي بيد ترامب نفسه. فشخصيته النرجسية تطمح إلى تقديم «صورة النجاح» حتى لو كان ذلك على حساب الواقع الملموس. ومع ذلك، فإن مواقف ترامب، مهما كانت حادة، لا تصنع انتصارات حقيقية، ولن تقدم حلولاً للمعضلة الاستراتيجية التي يواجهها صانع القرار حالياً.
في سياق متصل، كانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أشارت في مقال افتتاحي الأسبوع الماضي بعنوان «الأكاذيب»، إلى أن ترامب يطلق ادعاءات تتناقض مع الحقائق الميدانية. فبينما صرّح بأن «إيران تترجانا لإبرام اتفاق معها»، لا توجد مؤشرات على أي مسار تفاوضي. كما ادعى القضاء التام على البرنامج النووي الإيراني، في حين لا تزال إيران تحتفظ بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.
وسلطت الصحيفة الضوء أيضاً على تناقض ادعاء ترامب بتحميل إيران مسؤولية هجوم على مدرسة في «ميناب» الإيرانية أودى بحياة 175 فتاة، مع نتائج تحقيق أكدت أن «صاروخاً أميركياً هو الذي أصاب المدرسة». وأخيراً، ادعى ترامب أن النظام الإيراني قد تغير بالفعل، وأنه سيتوجه لاحقاً إلى كوبا لتغييرها.
بينما تتوالى ادعاءات ترامب، تظل الأسئلة معلقة حول كيفية صياغة سردية «الانتصار»، خاصة فيما يتعلق بـ«مضيق هرمز». فإذا انسحبت أميركا والمضيق لا يزال مغلقاً، سيُعد ذلك إقراراً بالعجز، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط، مما سيؤثر سلباً على صورة ترامب وقدرته أمام جمهوره أولاً، ثم أمام العالم.
لكن هل يعني هذا أن الرئيس الأميركي سيلجأ حتماً إلى خيار التصعيد؟ المؤكد أن ترامب لا يتخذ قراراته بناءً على المعطيات العسكرية وحدها، بل يعتمد أيضاً، وربما بشكل أساسي، على مزاجه وحساباته الشخصية. هذا يفتح الباب أمام تحولات مفاجئة؛ فإذا رأى أن التصعيد سيؤدي إلى «انتصار تاريخي»، قد يميل إليه لإشباع غروره. أما إذا بدا له مكلفاً سياسياً، فقد ينسحب فجأة ويعلن النصر كاذباً. هذا الواقع يجعل مصالح الدولة الأميركية قابلة للمساومة في سبيل خدمة صورة رئيسها.
في الختام، تؤكد الوقائع التاريخية أن الصراعات لا تُحسم بضجيج الخطابات وارتفاع سقفها، وأن هذه الخطابات لا بد أن تصطدم بالواقع حتى لو تم تجاهله. وسواء اختار ترامب التصعيد البري أو الانسحاب، فإن الدولة الأميركية ستتكبد أضراراً جسيمة. في المقابل، تنجح إيران، حتى الآن على الأقل، في فرض معادلة جديدة على ترامب، مفادها: إما أن يتعلم أن القوة وحدها لا تكفي، وهو أمر يبدو صعباً جداً عليه، أو أن يدفع ثمن أوهامه، وهو ما لا يقل صعوبة عليه أيضاً.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة