زيارة الرئيس الشرع إلى برلين: تقارب ألماني سوري يرسم ملامح شراكة جديدة في السياسة والاقتصاد وملف اللاجئين


هذا الخبر بعنوان "من برلين… هل بدأت ملامح شراكة جديدة بين ألمانيا وسوريا تتشكل فعلاً؟ وما هي انعكاساتها على كافة الملفات بين البلدين؟!" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
اكتسبت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين بعداً استراتيجياً بارزاً، حيث بدأت ملامح مرحلة جديدة من الشراكة والتعاون بين ألمانيا وسوريا تتضح. يشير هذا التقارب المحسوب بين برلين ودمشق إلى انفتاح على التعامل الواقعي مع ملفات معقدة تتشابك فيها السياسة والاقتصاد، ويبرز فيها ملف اللاجئين كأحد أبرز محددات هذا المسار. وقد كشفت التصريحات الرسمية والمواقف التي طُرحت خلال الزيارة عن توجه جديد في العلاقة الثنائية، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة الإعمار، والتعاون الاقتصادي، وإدارة ملف اللاجئين، بالإضافة إلى القضايا الأمنية والإقليمية.
لم يقتصر الحضور الاقتصادي خلال الزيارة على مجرد التصريحات الرسمية، بل تجسد في لقاءات مباشرة وخطوات تنفيذية. عقد الرئيس الشرع اجتماعاً مهماً على طاولة مستديرة مع ممثلي عدد من الشركات الألمانية، بحضور وزراء الخارجية والمغتربين، والاقتصاد، والطاقة، والطوارئ وإدارة الكوارث. عكست هذه الخطوة توجهاً عملياً نحو تفعيل التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وفقاً لما أعلنته رئاسة الجمهورية، قدمت الشركات الألمانية عروضاً في قطاعات حيوية ومتعددة، شملت الطاقة، والتمويل، والأمن، والتحول الرقمي، بالإضافة إلى البناء، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية. كما شهد الاجتماع توقيع عدة مذكرات تفاهم بين الجانب السوري وعدد من الشركات المشاركة.
في هذا السياق، صرح وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار خلال منتدى الأعمال السوري–الألماني قائلاً: "نقوم اليوم بإعادة التواصل مع العالم بما يخدم مصالح شعوبنا ويعزز علاقاتنا مع الدول الأخرى". من جانبه، كشف وزير الطاقة محمد البشير عن توجه وزارته لتوقيع مذكرتي تفاهم مع شركة Siemens للتعاون في بناء نظام قيادة وتشغيل للشبكة الكهربائية السورية، ومذكرة أخرى مع شركة Knauf في مجالات مواد البناء، فضلاً عن التعاون في قطاعي المياه والطاقة.
أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال اللقاء أن بلاده "تقف إلى جانب سوريا"، مشدداً على أن نجاح إعادة الإعمار يتطلب دعماً دولياً. وأشار إلى أن ألمانيا ترى لنفسها دوراً محورياً في دعم التنمية الاقتصادية، معتبراً أن فرص التبادل الاقتصادي بين البلدين على المدى المتوسط والطويل واعدة للغاية. بدورها، أكدت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه وجود إمكانات واسعة للتعاون مع سوريا، لافتة إلى اهتمام الشركات الألمانية بقطاعات الطاقة والبناء والصناعات الهندسية، إضافة إلى تجهيز البنية التحتية وحلول تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات.
تُشير المعطيات الراهنة إلى أن العلاقة بين دمشق وبرلين تجاوزت الإطار الدبلوماسي التقليدي، وبدأت تتخذ طابعاً أكثر عمقاً. يوضح الباحث محمد نور الدغيم أن برلين أصبحت اليوم شريكاً مباشراً لدمشق، حيث انتقلت العلاقة من مجرد الدبلوماسية إلى مستوى البحث المشترك في القضايا الإقليمية، وخاصة الأمنية. يجلس الطرفان الآن لبحث استقرار سوريا والتنسيق في العمليات ضد بقايا تنظيم داعش. ويضيف الدغيم أن دمشق لم تعد تُقارب فقط من زاوية ملف اللاجئين أو مكافحة الاتجار بالبشر، بل باتت شريكاً في ملفات أساسية ضمن أجندة السياسة الأوروبية.
من جانبه، يرى الدكتور صادق موصلي أن هذا الانخراط الألماني لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يشكّل مقدمة لتعاون أعمق قد يصل إلى مستوى الاعتراف العملي بالسلطة القائمة في سوريا، باعتبارها واقعاً سياسياً لا يمكن تجاوزه.
يُعد ملف اللاجئين السوريين من أبرز العوامل المؤثرة في السياسة الألمانية، نظراً لارتباطه المباشر بالوضع الداخلي لألمانيا. في هذا السياق، أكد الرئيس الشرع أن الحرب في سوريا قد انتهت، وأن البلاد دخلت مرحلة إعادة البناء رغم الدمار الهائل. وأشار إلى أن العمل جارٍ على تهيئة بيئة اقتصادية وقانونية جاذبة للاستثمار، مما سيساهم في توفير الظروف الملائمة لعودة اللاجئين.
من جانبه، أوضح المستشار الألماني أن ملف اللاجئين كان محوراً أساسياً في المباحثات، مشيراً إلى ضرورة التعاون بشأن عودة الأشخاص الذين لا يحملون إقامات قانونية، بالإضافة إلى فئة محدودة من المجرمين. وعبر عن أمله في عودة نسبة كبيرة من اللاجئين مستقبلاً، مع استمرار المندمجين في المجتمع الألماني في حياتهم هناك. ويرى الدكتور صادق موصلي أن هذا الملف يفرض على برلين الحفاظ على قنوات تواصل مع دمشق، إذ أن أي عمليات عودة أو ترحيل تظل مرتبطة بالتنسيق مع الدولة السورية.
يُشكل ملف إعادة الإعمار محوراً رئيسياً في هذا التقارب، حيث تتجه العلاقة نحو بناء شراكات اقتصادية مستدامة. في هذا الصدد، تقرر تشكيل فرقة عمل مشتركة، ومن المقرر إيفاد وفد رسمي إلى سوريا خلال المرحلة المقبلة، بمشاركة وزارتَي الداخلية والتنمية، إلى جانب ديوان المستشارية. تهدف هذه الخطوة إلى تنسيق الجهود وتحويل التعاون إلى مسار عملي ملموس.
يرى محمد نور الدغيم أن العلاقة تتجه نحو شراكة أوسع تشمل إعادة الإعمار، وذلك بعد إحراز تقدم في ملفات أساسية، وفي مقدمتها تحقيق الاستقرار. ويشير إلى أن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تعتمد على الهبات والمنح، بل يجب أن تقوم على الشراكة الاقتصادية والتعاون التنموي. من جانبه، يقترح رجل الأعمال أنس علاوي إنشاء مجلس أعمال سوري–ألماني كإحدى أبرز الآليات التنفيذية الممكنة، يضم رجال وسيدات الأعمال من الطرفين، ويعمل وفق قواعد حوكمة واضحة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات المرتبطة بالبنية التشريعية في سوريا التي لا تزال بحاجة إلى إصلاحات وتحديث قانوني سريع.
تُعد الجالية السورية في ألمانيا عنصراً محورياً في هذه العلاقة المتطورة، ليس فقط من منظور ملف اللجوء، بل أيضاً كـ"رصيد بشري مهم" وصفه الرئيس الشرع بأنه كنز لكلا البلدين. في هذا الإطار، يؤكد الدكتور صادق موصلي أن العلاقة بين دمشق وبرلين لا يمكن فصلها عن ملف الجالية السورية في ألمانيا، الذي أصبح أحد أبرز محددات السياسة الألمانية. فاستضافة ألمانيا لأعداد كبيرة من السوريين يجعل تنظيم أوضاعهم القانونية والاجتماعية أولوية داخلية، لكنها ترتبط مباشرة بطبيعة العلاقة مع الدولة السورية، خاصة فيما يتعلق بملف العودة أو الترحيل، الذي يظل مشروطاً بالتنسيق مع دمشق.
ويشدد موصلي على أهمية الدور المتنامي للجالية السورية، التي يمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية حقيقية من خلال مساهمتها في نقل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا إلى الداخل السوري، عبر الأطر المهنية والمؤسساتية التي يعمل ضمنها السوريون في ألمانيا. ويختتم بأن هذه المقاربة تعكس سعياً ألمانياً لتحقيق توازن دقيق بين المصالح الاستراتيجية والاعتبارات السياسية، حيث تسعى برلين لبناء علاقة تدريجية مع دمشق تتيح لها معالجة ملفات الهجرة، والانخراط في إعادة الإعمار، والاستفادة من الدور الحيوي للجاليات، دون التخلي الكامل عن شروطها المرتبطة بالاستقرار والحوكمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة