أزمة الغاز في سوريا: تباين التوفر، هيمنة السوق السوداء، وتحديات العرض والسلوك الاستهلاكي


هذا الخبر بعنوان "اختلال العرض والسلوك الاستهلاكي يفاقمان أزمة الغاز في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تزال أزمة الغاز المنزلي تلقي بظلالها على معظم المناطق السورية، حيث رصدت عنب بلدي تفاوتًا ملحوظًا في توفر المادة وآليات توزيعها بين المحافظات، رغم انتشارها في السوق السوداء بأسعار باهظة. ففي حين تعتمد دمشق وريفها والقنيطرة نظام التوزيع عبر دفاتر العائلة بالتنسيق مع المخاتير، تشهد حماة شحًا في المادة، مما يضطر الأهالي لتسليم الأسطوانات الفارغة للمراكز والانتظار لأيام لاستلامها. أما في الرقة، فيبدو الوضع مستقرًا نسبيًا على الرغم من عدم توفر المادة بالقدر الكافي، بينما تتميز محافظتا اللاذقية والحسكة بوضع أفضل، حيث تتوفر المادة بانتظام عند المعتمدين، مع تسجيل حالة من الاكتفاء الذاتي في محافظة الحسكة. وفي درعا، لوحظت انفراجات بسيطة بالاعتماد على دفتر العائلة، لكن التأثير الأكبر يقع على أصحاب المصالح الذين يلجؤون إلى شراء المادة من السوق السوداء، ما ينعكس سلبًا على أسعار المبيعات وحجم الإنتاج.
وقد بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي المدعوم 10.50 دولار أمريكي (ما يعادل نحو 129 ألف ليرة سورية)، وفقًا لما أعلنته الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (سادكوب) في 29 من آذار. في المقابل، يتراوح سعر الأسطوانة في السوق السوداء ما بين 250 و300 ألف ليرة سورية، وقد يصل إلى 500 ألف ليرة.
أوضح الخبير الاقتصادي فراس شعبو، في حديثه إلى عنب بلدي، أن أزمة الغاز تعود بشكل رئيس إلى اختلال في جانب العرض، مشيرًا إلى أن الطلب لم يشهد ارتفاعًا استثنائيًا بقدر ما تفاقمت المشكلة نتيجة ضعف القدرة على تلبية هذا الطلب. وأضاف شعبو أن القاعدة الاقتصادية تفسر الأزمات بخلل في العرض أو الطلب، مؤكدًا على أهمية وجود دراسات وتوقعات دقيقة لحجم الطلب، خاصة خلال فصل الشتاء الذي يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الاستهلاك، إلى جانب دخول محافظات جديدة ضمن نطاق الخدمات الحكومية، ما يزيد الضغط على الموارد المتاحة.
وأشار شعبو إلى أن المعروض لم يواكب هذا الارتفاع، نتيجة محدودية إنتاج حقول الغاز، أو وجود أعطال فنية، أو ضعف الاستثمار، أو قيود الاستيراد وصعوبات التمويل، مما أدى إلى استمرار الفجوة في السوق. كما بيّن أن زيادة الطلب تأثرت أيضًا بعوامل موسمية وسلوكية، مثل موجات البرد، وارتفاع استهلاك شهر رمضان، وارتفاع أسعار الكهرباء، ما دفع المواطنين للاعتماد بشكل أكبر على الغاز في التدفئة والطهو، إضافة إلى وجود ضعف في آليات التوزيع، مثل ضعف العدالة واحتمالات التلاعب، وهو ما بدأت الجهات المعنية بمعالجته عبر تكثيف الرقابة، بحسب شعبو.
وفقًا لرصد عنب بلدي، تعود عودة السوق السوداء لبيع الغاز إلى قيام بعض مراكز التوزيع ببيع أسطوانات الغاز بشكل منفصل، أو اتباع بعض المعتمدين للأسلوب ذاته، إضافة إلى قيام بعض المواطنين بالحصول على الأسطوانات المدعومة ثم إعادة بيعها بالسعر الحر. وفي هذا السياق، صرح الخبير الاقتصادي فراس شعبو أن السلوك الاستهلاكي يلعب دورًا إضافيًا في تفاقم الأزمة، حيث يلجأ بعض المواطنين إلى تخزين كميات تفوق حاجتهم بدافع الخوف من الانقطاع، خاصة مع وجود مشكلة عالمية في الوقت الحالي، إلى جانب قيام بعض الأشخاص بالمتاجرة في المادة في السوق السوداء.
ويُرجع شعبو انتشار السوق السوداء إلى الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي، إلى جانب ضعف الرقابة، ما يؤدي إلى تسرب المادة إما من خلال مركز التعبئة أو من خلال النقل أو من خلال مراكز التوزيع، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج، وزيادة معدلات التضخم، واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
فيما يتعلق بالحلول، أكد شعبو على ضرورة زيادة الإنتاج ورفع كفاءة عمليات التعبئة، مع إمكانية إشراك القطاع الخاص إلى جانب القطاع العام، وتعزيز الرقابة على عمليات التوزيع لضمان العدالة. واختتم شعبو بالتأكيد على أن المعالجة الفعالة تتطلب زيادة المعروض، وتقليص الفجوة السعرية، وتحسين الحوكمة عبر أتمتة عمليات التوزيع واستخدام أنظمة تقنية حديثة لضمان وصول المادة إلى مستحقيها بشكل عادل.
في إطار جهود ضبط السوق، أغلقت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (سادكوب) في اللاذقية، بتاريخ 13 من آذار الحالي، أربعة مراكز لتوزيع الغاز المنزلي في المدينة، بعد ضبط مخالفات تتعلق باحتكار المادة وعدم الالتزام بالأنظمة المعتمدة في عملية التوزيع. وتضمنت القرارات إغلاق المراكز المخالفة وفرض غرامة مالية عليها تعادل 50% من قيمة الكميات المحتكرة من الغاز المنزلي، مع التنبيه إلى أنه في حال تكرار المخالفة ستُضاعف العقوبة ويُحال صاحب المركز المخالف إلى القضاء وفق الأنظمة والقوانين النافذة.
كما صادرت الجهات المختصة في محافظة حلب، في 28 من آذار، أكثر من 300 أسطوانة غاز في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى ضبط خمس سيارات محملة بأسطوانات غاز منزلي وصناعي معدة للاتجار غير المشروع بالمادة في منطقة الراموسة، وذلك ضمن الجهود المبذولة لضبط الأسواق ومنع عمليات الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
كانت بعض المناطق في سوريا قد شهدت، مع بداية شباط الماضي، أزمة في قطاع الغاز، مما أدى إلى ارتفاع سعره، أو تعذر الحصول عليه في عدة مناطق بسوريا. وقالت وزارة الطاقة في بيان لها، في 16 من شباط، إن الأزمة جاءت نتيجة سوء الأحوال الجوية، إذ حدث تأخر مؤقت في عمليات ربط وتفريغ باخرة الغاز في الميناء، ما انعكس على توفر مادة الغاز المنزلي في بعض المناطق. وفي بيان آخر، في 3 من آذار، أكدت الوزارة عدم وجود أي نقص في المشتقات النفطية سواء البنزين أو المازوت أو الغاز المنزلي.
اقتصاد
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي