العدالة الجندرية: لماذا لا تكفي المساواة وحدها لتحقيق الإنصاف الحقيقي؟


هذا الخبر بعنوان "العدالة الجندرية: حين تصبح المساواة ظلماً!" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سباق رمزي يعكس واقع الحياة، يقف رجل وامرأة عند خط البداية ذاته، يتلقيان الإشارة نفسها من الحَكَم، ويُطلب منهما قطع المسافة ذاتها، مع إعلان أن "الفرصة متساوية والفوز للأفضل". لكن، وكما تشير سناك سوري-رحاب تامر، قبل انطلاق هذا السباق، تكون المرأة قد اجتازت بالفعل شوطاً إضافياً غير مرئي؛ فقد استيقظت مبكراً، أعدّت الفطور، جهّزت الأطفال، وفكّرت في ترتيبات رعايتهم بعد انتهاء دوامها، حاملةً معها قلقاً لا يثقل كاهل الرجل بالقدر نفسه. تبدأ المرأة الركض وهي تحمل على ظهرها حقيبة ثقيلة من الأعباء، بينما ينطلق الرجل خفيفاً. ونتيجة لذلك، نادراً ما يصلان في الوقت نفسه، وغالباً ما يحقق الرجل الفوز. وعندما تعترض المرأة على هذا الواقع، قد يُقال لها: "لكننا عاملناكما بالطريقة نفسها". هنا تحديداً يتجلى المعنى الحقيقي للعدالة الجندرية.
غالباً ما يُستخدم مصطلحا "المساواة" و"الإنصاف" بالتبادل، وكأنهما يحملان المعنى ذاته، إلا أن الفارق بينهما جوهري. فالمساواة تعني منح الجميع الشيء نفسه: القوانين ذاتها، الفرص ذاتها، والمعاملة ذاتها. أما الإنصاف، أو ما يُعرف بالعدالة الجندرية، فيتطلب منا أولاً النظر إلى الأعباء والعوائق المتفاوتة التي يواجهها كل فرد، ومن ثم توفير ما يحتاجه فعلاً ليتمكن من الوصول إلى النقطة ذاتها.
بالعودة إلى مثال السباق، تتجلى المساواة في تزويد الرجل والمرأة بالحذاء نفسه ونقطة الانطلاق ذاتها. في المقابل، تكمن العدالة الجندرية في طرح السؤال: من منهما يركض وهو يحمل عبئاً أكبر على ظهره؟ ومن يحتاج إلى دعم أو تعديل في الظروف لجعل المنافسة عادلة بحق؟ ولهذا السبب، تؤكد الأمم المتحدة أن المساواة بين الجنسين تعني تمتع الجميع بالحقوق والفرص ذاتها، بغض النظر عن جنسهم. ومع ذلك، لا يكفي هذا وحده، إذ إن الأفراد لا يعيشون الظروف نفسها ولا يبدأون من نقطة الانطلاق ذاتها.
تُلخص الباحثة أمينة ودود هذه الفكرة بعبارة بليغة: «المساواة لا تعني أن نصبح متشابهين، بل أن نحظى بالكرامة نفسها رغم اختلاف ظروفنا». فالمرأة التي تشغل الوظيفة ذاتها التي يشغلها الرجل، قد تعود إلى منزلها لتبدأ "دواماً ثانياً" يشمل الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال، أو الاهتمام بكبار السن من الأهل. وفي حال منحتها الشركة الراتب نفسه وساعات العمل ذاتها، فإن هذا قد يبدو مساواة، لكنه لا يرقى إلى مستوى العدالة إذا ما تجاهل حقيقة أن أعباء الحياة خارج العمل ليست موزعة بالتساوي.
بناءً على ذلك، لا تعني العدالة الجندرية معاملة النساء والرجال بالطريقة ذاتها في جميع الأوقات، بل تستدعي الأخذ بالاعتبار الفروقات الواقعية بينهما. فقد تحتاج المرأة أحياناً إلى إجازة أمومة أطول، أو ساعات عمل مرنة، أو توفير حضانة في مكان العمل. هذه المتطلبات ليست لأنها "أقل" من الرجل، بل لأنها تتحمل أعباء إضافية لا تُدرج ضمن القوانين المكتوبة.
تتجلى العدالة الحقيقية عندما نُقر بأن بعض الأفراد لا يحتاجون إلى "المعاملة ذاتها"، بل إلى إزالة الحواجز التي تعيق وصولهم. عندئذ فقط يصبح السباق عادلاً. وكما لخصت الباحثة أمينة ودود في عبارتها البسيطة: «المساواة لا تعني أن نصبح متشابهين، بل أن نحظى بالكرامة نفسها رغم اختلاف ظروفنا». فالعدالة لا تقتضي أن يركض الجميع بالطريقة ذاتها، بل أن يتمكن الجميع من الوصول إلى خط النهاية دون أن يُجبر أحدهم على الركض وهو يحمل عبئاً أكبر بمفرده.
هذا ما يجعل العدالة الجندرية تتجاوز كونها مجرد شعار؛ فهي ليست مجرد إعلان عن إتاحة الفرص للجميع، بينما يعلم الجميع أن بعض الأفراد يبدأون السباق من نقطة متأخرة. كما أنها ليست صياغة قوانين تبدو عادلة على الورق، في حين يظل الواقع اليومي يميل لصالح طرف على حساب آخر. إن العدالة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن بعض الناس لا يحتاجون إلى "المعاملة ذاتها"، بل يحتاجون إلى إزالة العوائق التي تمنعهم من الوصول. عندها فقط، يصبح السباق عادلاً حقاً.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات