الدراما التاريخية السورية: مشروع ثقافي يعيد تشكيل الوعي ويصقل قدرات الممثل


هذا الخبر بعنوان "الدراما التاريخية السورية: فن يعزز الوعي ويختبر قدرات الممثل" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الدراما التاريخية مجرد وسيلة للترفيه أو استعراض لأحداث الماضي، بل تطورت لتصبح مشروعاً ثقافياً متكاملاً يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي وطرح تساؤلات عميقة حول الهوية والتاريخ. ففي ظل تزايد تأثير الصورة الدرامية كأداة رئيسية في المجتمعات العربية، برزت الدراما التاريخية السورية كواحدة من التجارب الرائدة عربياً. لقد نجحت هذه الدراما، من خلال أعمالها النوعية، في تقديم التاريخ برؤية إنسانية ونقدية، متجنبة التبسيط أو التمجيد، مما أسس لمدرسة فنية ومعرفية متفردة.
لا تقتصر الدراما التاريخية على مجرد سرد الوقائع، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تفسيرها ضمن سياقات إنسانية واجتماعية عميقة. يتماشى هذا النهج مع رؤية الكاتب الراحل ممدوح عدوان، الذي شدد على أن التاريخ "ليس بريئاً" وقابل لإعادة الكتابة والتزوير، مما يلقي على عاتق الفن مسؤولية كشف الزيف المتراكم في الوعي الجمعي. ففي كتابه "الزير سالم، البطل بين السيرة والتاريخ والبناء الدرامي"، يحمّل عدوان الفن، وبخاصة الدراما التاريخية، مهمة تفكيك الروايات السائدة والكشف عن أي تشويه أو إخفاء قد يعتريها. وذلك من خلال تقديم قراءة إنسانية ناقدة تعيد فهم الماضي في ضوء الحاضر، وتسهم في بناء وعي متوازن وعميق لدى المتلقي.
تجسد هذا الطرح بوضوح في أعمال المخرج حاتم علي، ومنها "الزير سالم" و"صلاح الدين الأيوبي" و"صقر قريش". فقد قدمت هذه الأعمال شخصيات تاريخية مركبة، مبتعدة عن الصورة النمطية، وفتحت آفاقاً لقراءة أكثر توازناً وعمقاً للماضي.
توضح الدراسات، ومنها ما ذكره عماد النداف في كتابه "تطور السيناريو التلفزيوني في سوريا"، أن الدراما التاريخية السورية انطلقت في ستينيات القرن الماضي بأعمال رائدة مثل "رابعة العدوية"، "حكايات العرب"، "موت الحلاج"، و"عروة بن الورد". وقد أرست هذه الأعمال الأساس لاعتماد التاريخ كمصدر رئيسي للنص الدرامي. استمر هذا النهج في السبعينيات والثمانينيات من خلال أعمال تناولت شخصيات أدبية وتاريخية كـ "ياقوت الحموي"، "الزباء"، و"زهير بن أبي سلمى". وشهدت التسعينيات طفرة إنتاجية ملحوظة مع أعمال مثل "العبابيد"، لتصل الدراما التاريخية السورية إلى ذروتها في الألفية الجديدة. ففي هذه الفترة، برزت أعمال ضخمة مثل "صلاح الدين الأيوبي"، "الحجاج بن يوسف الثقفي"، "ربيع قرطبة"، "ملوك الطوائف"، "خالد بن الوليد"، و"الظاهر بيبربس"، حيث تزايد الاهتمام بالتوثيق البصري والدقة التاريخية. ومع ذلك، ينبه النداف إلى أن المبالغات الدرامية قد تشوه الصورة التاريخية أحياناً إذا لم يتم ضبطها ضمن إطار علمي دقيق.
صرح الفنان حسين محمود لوكالة سانا بأن العمل في الدراما التاريخية يمثل تحدياً مضاعفاً للممثل. فهو لا يقتصر على الأداء التمثيلي فحسب، بل يتطلب معرفة عميقة بالسياق التاريخي واللغوي للمرحلة. وأكد محمود أن اللغة في هذه الأعمال ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي مفتاح لفهم واستيعاب أبعاد المرحلة التاريخية، مشيراً إلى أن إتقانها ينعكس مباشرة على مصداقية الأداء، ويحول العمل الدرامي إلى وسيلة فعالة لنقل المعرفة والقيم. وأضاف أن الدراما التاريخية تمنح ثقلاً فنياً كبيراً للدول المنتجة، مؤكداً أن سوريا تتصدر هذا المجال عربياً بفضل جودة أعمالها.
وعن تجربته الشخصية، تحدث محمود عن مشاركته في عمل تاريخي كويتي بعنوان "جزء من النص مفقود"، الذي يندرج تحت نمط "الديكو دراما". في هذا النمط، تتناول كل حلقة حدثاً تاريخياً يجسده الممثلون، بينما يتولى الراوي مهمة تقديم السياق السردي. وقد شارك محمود في خمس حلقات، مجسداً شخصيات متعددة منها الشاعر الأخنس بن شهاب التغلبي، وإبراهيم بن محمد قائد الدعوة العباسية، واصفاً هذه التجربة بأنها محطة مفصلية في مسيرته الفنية. وأوضح أن "الديكو دراما" تعتمد بشكل كبير على العناصر البصرية كالديكور والأزياء والإضاءة، التي تصبح جزءاً أساسياً من السرد، بالإضافة إلى المؤثرات الصوتية والبصرية، مما يمنح العمل بعداً فنياً متكاملاً.
تُعد الدراما التاريخية من أقدم أشكال الدراما، وتقوم على إعادة تمثيل أحداث الماضي، وغالباً ما تعكس صراعات بين السلطة والنخب والمجتمع، وهو ما أكده المؤرخ الإسباني فرانثيسكو رويث رامون في دراساته. بهذا المعنى، لا تنفصل الدراما عن الواقع، بل تشكل امتداداً له، وتغدو أداة لفهم الحاضر من خلال قراءة الماضي، مما يمنحها دوراً يتجاوز مجرد الترفيه ليصل إلى التأثير العميق في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي.
سوريا محلي
سياسة
اقتصاد
صحة