فيلم "قصة أكراد سوريا" للجزيرة: قراءة نقدية تكشف اختزال التاريخ وسردية سياسية أحادية


هذا الخبر بعنوان "الجزيرة تكتب التاريخ من زاوية واحدة: قراءة نقدية في فيلم "قصة أكراد سوريا"" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُقدم فيلم "قصة أكراد سوريا"، الذي أنتجته منصات تابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية، سردًا بصريًا جذابًا يبدو متماسكًا للوهلة الأولى. إلا أن هذا السرد، رغم جاذبيته، يخفي وراءه اختزالًا كبيرًا لتاريخ الجزيرة السورية وتعقيداتها الديموغرافية والسياسية. فالفيلم لا يكتفي بعرض قصة إنسانية، بل يعمد إلى إعادة ترتيب الأحداث والشهادات بطريقة تصوغ سردية سياسية محددة، متجاهلاً أصواتًا أخرى أساسية لفهم تاريخ المنطقة.
ليس مستغربًا أن تحاول بعض المنصات الإعلامية صياغة سرديات سياسية تحت غطاء إنساني أو تاريخي. لكن ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو حجم الاختزال الذي يتعرض له تاريخ منطقة كاملة، وتقديمه ضمن رواية أحادية بُنيت بعناية لتقود المشاهد إلى نتيجة سياسية معينة. من الناحية الفنية، يتميز الفيلم ببناء متماسك وسرد بصري مؤثر وشهادات شخصية قوية. لكن جوهره لا يقدم قراءة تاريخية متوازنة، بقدر ما يعيد إنتاج سردية سياسية شائعة في الإعلام الغربي خلال السنوات الأخيرة، تبدأ من المظلومية التاريخية وتنتهي بتبرير مشروع سياسي في الجغرافيا السورية.
تتعلق إحدى الإشكاليات الرئيسية في الفيلم بالجغرافيا نفسها. فالمادة الإعلامية تستخدم مصطلح "شمال شرق سوريا" وكأنه توصيف تاريخي راسخ، بينما الاسم التاريخي المتداول في الوثائق العثمانية والسورية هو "الجزيرة السورية". هذه التسمية ليست مجرد تفصيل لغوي، بل تعكس هوية جغرافية وتاريخية لمنطقة عُرفت عبر قرون بتنوعها السكاني وارتباطها بقبائل عربية ومجتمعات سريانية وآشورية وأرمنية. يتجاوز الفيلم هذا السياق، ليقدم المنطقة وكأنها فضاء قومي واحد، في محاولة لخلق انطباع بأن الجزيرة السورية كانت تاريخيًا موطنًا كرديًا واضح المعالم، وهي إحدى أكبر الثغرات في العمل.
التاريخ الديموغرافي للجزيرة السورية، كما هو معروف في المصادر التاريخية، لم يشهد وجودًا كرديًا واسعًا قبل أحداث العقد الثالث من القرن العشرين. ففي تلك الفترة، أدت التطورات السياسية في تركيا، خاصة بعد قمع ثورة الشيخ سعيد عام 1925 في الأناضول، إلى موجات نزوح عبر الحدود. لجأت مجموعات كردية إلى الأراضي السورية واستقر قسم منها في مناطق من الجزيرة خلال فترة الانتداب الفرنسي. هذه الوقائع موثقة في دراسات تاريخية عديدة، لكنها تغيب بالكامل عن الفيلم، الذي يختار تقديم الوجود الكردي في المنطقة وكأنه امتداد تاريخي عميق، وليس نتيجة لتحولات سياسية وهجرات حديثة نسبيًا.
إشكالية أخرى لا تقل وضوحًا تتعلق بالمصادر والشهادات التي يعتمد عليها الفيلم. فالمادة تكاد تقتصر على شهادات شخصيات كردية أو باحثين يقدمون الرواية الكردية للأحداث، بينما تغيب تمامًا شهادات مستقلة من عرب الجزيرة السورية أو من ممثلي المكونات الأخرى التي عاشت تاريخيًا في المنطقة. هذا الغياب ليس تفصيلًا بسيطًا؛ فعندما يروي طرف واحد القصة كاملة، فإن الرواية ستعكس حتمًا زاوية نظره ومصالحه السياسية. ومن الطبيعي أن يتحدث أي مجتمع عن تاريخه بالطريقة التي تخدم رؤيته وهويته. لكن العمل الوثائقي الجاد لا يكتفي بصوت واحد، بل يفتح المجال لتعدد الروايات حتى يتمكن المشاهد من تكوين صورة أقرب إلى الواقع.
يعتمد الفيلم بشكل كبير على حادثة إحصاء الحسكة عام 1962 بوصفها حجر الأساس في المظلومية الكردية. ولا شك أن هذا الإجراء خلق مشكلات قانونية وإنسانية لآلاف الأشخاص. غير أن تقديم الحدث بمعزل عن سياقه التاريخي والسياسي يحوله إلى رمز مجرد، بينما الواقع أكثر تعقيدًا ويتعلق بملفات الحدود والهجرة غير الشرعية والجنسية في تلك الفترة.
يتكرر في العمل خلط واضح بين مستويين مختلفين من المطالب. فالسرد يبدأ بالحديث عن حقوق ثقافية مثل اللغة والهوية، وهي مطالب يمكن مناقشتها في أي مجتمع متعدد الثقافات. لكن الفيلم ينتقل تدريجيًا إلى الحديث عن مشاريع سياسية مثل الحكم الذاتي أو الإدارة الخاصة، وكأن هذا الانتقال أمر طبيعي وحتمي، دون أي نقاش حقيقي للفارق بين المطالبتين.
وعند تناول مرحلة الحرب السورية، يركز الفيلم على دور قوات سوريا الديمقراطية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية، في محاولة لترسيخ صورة هذه القوات بوصفها القوة التي حررت المنطقة. لكن الفيلم يتجاهل حقيقة أن تلك المعارك جرت ضمن تحالف دولي واسع وبغطاء عسكري أميركي مباشر، كما يتجاهل مشاركة قوى محلية عربية أخرى في القتال. النتيجة النهائية لكل ذلك هي بناء سردية سياسية واضحة: مظلومية تاريخية، ثم نضال عسكري، ثم استحقاق سياسي. وهي صيغة سردية معروفة في كثير من الوثائقيات المعاصرة لأنها قادرة على التأثير في المشاهد عاطفيًا قبل أن تدفعه للتفكير النقدي.
تاريخ الجزيرة السورية أعقد بكثير من هذه القصة المبسطة. فالمنطقة لم تكن يومًا حكرًا على قومية واحدة، بل شكلت عبر تاريخها مساحة تداخل بين شعوب وثقافات متعددة. وتاريخها الحديث تشكل عبر تحولات سياسية كبرى وهجرات سكانية متبادلة، وليس عبر رواية قومية أحادية. لهذا السبب، فإن أي محاولة لتقديم تاريخ الجزيرة السورية من زاوية واحدة فقط لا يمكن أن تكون قراءة موضوعية للتاريخ، بل تصبح جزءًا من معركة السرديات السياسية الدائرة حول مستقبل المنطقة. والتاريخ، كما هو معروف، لا يكتب بالشهادات الانتقائية ولا بالسرديات العاطفية، بل بتعدد المصادر وتوازن الروايات. وفي منطقة معقدة مثل الجزيرة السورية، يصبح الإنصاف في رواية التاريخ شرطًا أساسيًا لفهم الحاضر، لا مجرد خيار في بناء قصة إعلامية جذابة. بقلم ريم الناصر - زمان الوصل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة