المدن الصناعية السورية: نشاط متزايد في حسياء يثير آمال تعافي الاقتصاد وسط تحديات جمة


هذا الخبر بعنوان "هل يشكّل الاستثمار بالمدن الصناعية نواة لتعافي الاقتصاد السوري؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
سجلت المدينة الصناعية بحسياء حراكاً ملحوظاً خلال الربع الأول من العام الحالي، حيث أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية 26 رخصة بناء جديدة. وأفادت الوزارة بأن هذا النشاط شمل أيضاً إصدار 50 قرار تجديد، وقرارين للتعديل، إضافة إلى منح 22 رسماً تخطيطياً (كروكياً) خاصاً برخص البناء.
ويعكس هذا الحراك تصاعد وتيرة التوسع العمراني والصناعي في المدينة، مما يؤكد مكانة حسياء كوجهة جاذبة للاستثمار الصناعي، سواء المحلي أو الأجنبي، بفضل بنيتها التحتية المتطورة وأنظمة العمل المتكاملة. يأتي هذا النشاط ضمن مساعٍ أوسع لتعزيز الحراك الاقتصادي في المدن الصناعية السورية، التي تُعد ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي التدريجي في سوريا، رغم التحديات القائمة في مجالات التمويل والبنية التحتية وقوانين الاستثمار.
وكان مدير المدن والمناطق الصناعية، مؤيد البنا، قد صرح في الأول من آذار الماضي، بأن عدد المستثمرين في المدن الصناعية بسوريا وصل إلى نحو 11 ألف مستثمر، منهم 294 مستثمراً أجنبياً، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا).
يُعد هذا الحراك جزءاً من جهود أوسع لتنشيط القطاع الإنتاجي، خاصة في المناطق الصناعية التي باتت تمثل نقطة ارتكاز رئيسة لعملية التعافي الاقتصادي التدريجي. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور مجدي الجاموس، أن النشاط الاستثماري في المدن الصناعية يأتي في ظل تدهور اقتصادي موروث، وعدم قدرة الحكومة الحالية حتى الآن على تحويل سوريا إلى بيئة استثمارية جاذبة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال الخارجية أو أموال المغتربين.
وأوضح الجاموس، في حديثه إلى عنب بلدي، أن التوجه نحو المدن الصناعية يمثل خياراً واقعياً، نظراً لصعوبة تعميم البنية التحتية على كامل الجغرافيا السورية. هذا الواقع دفع إلى اعتماد ما يمكن تسميته بـ"الاقتصاد الهرمي"، الذي ينطلق من نقاط محددة كالمدن الصناعية، لتكون أساساً لإعادة بناء النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن مدينة حسياء تتمتع بميزات خاصة، أبرزها وجود استثمارات خارجية، لا سيما من شركات سعودية، أسهمت في إطلاق مشاريع على مساحات واسعة، مما وفر دفعة أولية لتشكيل بنية تحتية قابلة للنمو. كما أن سهولة الإجراءات الإدارية داخل المدن الصناعية، مقارنة بما هو خارجها، تُشكل عاملاً إضافياً لجذب المستثمرين.
وفي قراءته للأرقام، يعتبر الدكتور الجاموس أنها تمثل بداية جيدة، لكنها لا تزال دون الإمكانات الحقيقية المتاحة، حيث يمكن مضاعفتها عدة مرات في حال توفر بيئة استثمارية حقيقية قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية.
في المقابل، فإن توجه المستثمرين نحو هذه المدن الصناعية لا ينفصل عن التحديات التي تواجههم خارجها. وقال الدكتور مجدي الجاموس، إن تحديات كبيرة لا تزال قائمة، تتعلق بضعف الطاقة، وصعوبات تأمين المواد الأولية، ومشكلات التصدير، إضافة إلى المنافسة الشديدة من المنتجات المستوردة، خاصة من الدول المجاورة، والتي تدخل الأسواق بأسعار أقل من تكلفة الإنتاج المحلي.
وأضاف أن اللجوء إلى المدن الصناعية يمثل محاولة لتحقيق نوع من التكامل الإنتاجي، وتشكيل نقطة انطلاق لتعافٍ اقتصادي تدريجي، خاصة في ظل غياب بيئة قانونية وتشريعية واضحة، وضعف قطاع النقل وسلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الإنتاج.
كانت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قد أقرت، في حزيران 2025، نظام الاستثمار الجديد بالمدن الصناعية في سوريا، بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، ونقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية. وتتوفر مجموعة من المزايا التي تجعل المدن الصناعية خياراً أكثر قابلية للاستثمار مقارنة بغيرها، لكن هذا يطرح تساؤلاً بشأن مدى كفاية هذه المزايا.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس أن التسهيلات الحكومية الأخيرة، مثل تخفيض الدفعة الأولى للحصول على الأراضي، ومنح إعفاءات ضريبية وجمركية على خطوط الإنتاج، تُعد خطوات إيجابية، لكنها غير كافية ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع، خصوصاً في القطاع المصرفي، الذي يفترض أن يكون شريكاً أساسياً في تمويل المشاريع وتقاسم المخاطر.
ويؤكد الجاموس أن تحقيق تعافٍ اقتصادي فعلي يتطلب توسيع التجربة لتشمل مدناً صناعية أخرى، مثل الشيخ نجار وعدرا، إضافة إلى دعم المناطق الصناعية بشكل عام، ضمن رؤية تقوم على "الاقتصاد المناطقي"، بحيث يتم تطوير كل منطقة وفق ميزاتها الإنتاجية.
أبرز التسهيلات المقدمة للصناعيين المحليين والخارجيين، تتمثل في إصدار نظام استثمار جديد خاص بالمدن الصناعية بقرار من وزارة الصناعة رقم 438، والذي يضم 26 مادة تتضمن حوافز وتسهيلات مشجعة لعملية الاستثمار في الحواضن الصناعية في سوريا، بحسب مؤيد البنا مدير المدن والمناطق الصناعية.
وفيما يتعلق بالتحديات، لفت الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، الدكتور مجدي الجاموس، إلى أن أبرزها يتمثل في عدم الاستقرار، وغياب الوضوح القانوني، وضعف البنية التحتية، خاصة في قطاع الطاقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلبات سعر الصرف، وغياب التمويل المصرفي.
وخلص إلى أن المدن الصناعية يمكن أن تشكل نواة حقيقية للتعافي الاقتصادي، شريطة أن تترافق مع إجراءات حكومية داعمة، تشمل:
وكان رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، قد صرح لعنب بلدي في وقت سابق، بأن قانون الاستثمار يوفر حماية كاملة للمشاريع وأموال المستثمرين، ويمنع وضع اليد على المشاريع من أي جهة كانت، كما يتيح للمستثمر الأجنبي تملك المشروع بنسبة 100% دون شريك محلي. وأضاف أن القانون يسمح أيضاً بإدخال خبرات أجنبية تصل إلى 40% من اليد العاملة في المشروع، بما يسهم في إطلاق المشاريع وتدريب الكوادر السورية ورفع المستوى التقني.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد