النخبة الإسرائيلية تفضح تناقضات خطاب نتنياهو: النصر الاستراتيجي على إيران بعيد المنال


هذا الخبر بعنوان "النخبة الإسرائيلية لا تصدّق نتنياهو: «النصر الاستراتيجي» بعيد المنال" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُشير الكاتب يحيى دبوق إلى أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران تمثل محطة بارزة ضمن صراع أوسع، لا يمكن حسمه بالوسائل العسكرية وحدها، وذلك بغض النظر عن اختلال ميزان القوى بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى. فبالرغم من شدة الضربات التي استهدفت الجانب الإيراني، يبدو تحقيق نتائج حاسمة أو "صفرية" أمراً صعب المنال، مهما استمر الطرف الآخر في التصعيد.
يُرجح أن هذا الاستنتاج لم يتضح للطرفين البادئين بالحرب، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا بعد خوضهما غمارها والاصطدام بحقائق الميدان. ورغم استمرار الخطاب الرسمي في تقديم صورة مغايرة للواقع، بدأت مؤشرات "العجز" عن الحسم تظهر بوضوح في دوائر التقييم الداخلي الإسرائيلية. وقد حمل خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي وصف بـ"خطاب النصر" المزعوم، دلائل على هذا التناقض؛ فإعلانه عن قطع الشوط الأكبر من الحرب تزامن مع إقرار ضمني بعدم تحقيق الأهداف المعلنة لها. أشار نتنياهو إلى أن بلوغ هذه الأهداف يتطلب وقتاً وعوامل داخلية قد تكتمل لاحقاً، قائلاً إن "النظام الإيراني سيسقط عاجلاً أم آجلاً"، في محاولة بدت أقرب إلى تبرير للإخفاق.
مع دخول الحرب شهرها الثاني، بدأت النخب والمراكز البحثية الإسرائيلية بإعادة تقييم النتائج بعيداً عن الخطاب السياسي المباشر، في مسعى للتمييز بين الإنجاز الفعلي والصورة المراد ترسيخها. تُشير هذه التقييمات إلى تحول تل أبيب من أهداف طموحة، مثل إسقاط النظام الإيراني عبر العمل العسكري، إلى أهداف غامضة تفتقر إلى معايير قياس واضحة. وبينما تحققت بعض المكاسب التكتيكية من خلال الضربات العسكرية، لا يزال تحقيق الهدف الاستراتيجي بعيد المنال، خاصة وأن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يتم إنهاء برنامجه النووي، كما لم تتفكك شبكة حلفائه الإقليميين.
وفقاً لتقييم نشره "معهد دراسات الأمن القومي" التابع لجامعة تل أبيب، فإن النجاحات التكتيكية لا تعني بلوغ "النصر" المخطط له. ويرى المعهد أن "الأضرار" التي لحقت بإيران "هامة"، لكنه يصفها في الوقت نفسه بأنها "مؤقتة"، في ظل احتفاظ طهران بالمعرفة والقدرة على إعادة بناء قدراتها العسكرية. كما يشير التقييم إلى أن التجربة التاريخية تُظهر ميلاً إيرانياً إلى "التكيف" مع الضربات، بدلاً من تغيير استراتيجيتها جذرياً.
وفي حين يسعى كل طرف لتقديم نفسه "منتصراً"، فإن هذا بحد ذاته يعكس حالة "اللاحسم". فالقيادة الإسرائيلية تتحدث عن إزالة "تهديدات وجودية"، بينما تقدم إيران نفسها كدولة صمدت في وجه ضربات مشتركة من إسرائيل والولايات المتحدة، واستمرت في الرد عليهما. تُعد هذه الازدواجية نتيجة طبيعية لغياب الحسم، ومؤشراً إلى تحول الحرب إلى صراع على الوعي، ودليلاً على جوهر الإخفاق الإسرائيلي – الأميركي في هذه الحرب.
على المستوى الداخلي الإسرائيلي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فبالرغم من أن استطلاعات الرأي أظهرت دعماً واسعاً للحرب في بدايتها، تجاوز 80%، إلا أن هذا التأييد لم يلغِ تصاعد الشكوك بشأن إمكانية تحقيق أهداف كبرى، مثل إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء تهديده بشكل كامل. ومع مرور الوقت، تميل تقديرات النخب، في العادة، إلى تقليص سقف التوقعات.
فيما يتعلق بنهاية الحرب، لا تتوقع النخبة الإسرائيلية حسمها بالمعنى التقليدي، بل تميل إلى ترجيح سيناريوهات مفتوحة. يتمثل أحد أبرز هذه السيناريوهات في تثبيت ردع متبادل مؤقت، تتوقف بموجبه العمليات الكبرى، مع بقاء التوتر قائماً في انتظار جولات لاحقة. أما السيناريو الثاني، فيتمحور حول التوصل إلى اتفاق سياسي، وهو احتمال يبدو صعباً في المرحلة الراهنة، في ظل فشل واشنطن وتل أبيب في كسر صلابة الإرادة الإيرانية، ولو حتى جزئياً. تؤكد هذه التقديرات أن الخيار العسكري وحده غير كافٍ لتحقيق الأهداف بعيدة المدى، ولا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني؛ إذ حتى في "أفضل" السيناريوهات المتاحة لواشنطن وتل أبيب، لا يمكن للضربات أن تحقق أكثر من تأخير المشروع النووي، مما يعيد طرح خيار التفاوض، رغم صعوبة اللجوء إليه بين الأطراف المتحاربة.
تكشف الحرب أيضاً محدودية القدرة على احتواء التصعيد، خصوصاً بعدما أظهرت إيران قدرتها على استخدام أدوات غير تقليدية والتأثير في مجالات حساسة مثل الملاحة والطاقة، مما منحها أوراق ضغط تتجاوز المواجهة المباشرة. من شأن ذلك أن يعزز قناعة داخل إسرائيل بأن أي مواجهة مستقبلية ستكون أكثر تعقيداً وتشابكاً وصعوبة، سواء لجهة التخطيط لها واتخاذ قراراتها، أو لجهة خوضها وتقدير نتائجها.
في المحصلة، تعكس قراءة النخبة الإسرائيلية للحرب، بعد شهر من نشوبها، مزيجاً من الإقرار بالإنجاز الجزئي والوعي بالقيود. فالحرب أضعفت قدرات إيران بلا شك، لكنها لم تحدث تحولاً حاسماً في قواعد الصراع. كما أن غياب الحسم، وعدم فرض التزامات على طهران، وعدم سقوط النظام، كلها عوامل تشير إلى تمهيد الطريق أمام إيران لإعادة ترميم قدراتها وتعزيزها، وصولاً إلى إعادة إنتاج التهديد نفسه، والذي قد يتجاوز ما كان عليه عشية الحرب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة