مأساة أطفال وأرامل مقاتلي داعش الأجانب في سوريا: حياة مجهولة النسب ورفض مجتمعي


هذا الخبر بعنوان "كيف يعيش أطفال وأرامل مقاتلي داعش الأجانب في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار شراكة بين عنب بلدي وDW، ينفرد هذا التحقيق الميداني الحصري لـ DW عربية من مدينة الرقة السورية، بالكشف عن الظروف المعيشية لأطفال وأرامل مقاتلي تنظيم داعش الأجانب في سوريا، البلد الذي شهد نزاعاً مسلحاً وحروباً داخلية استمرت نحو 14 عاماً واستقطبت جهاديين من مختلف أنحاء العالم. ارتبطت العديد من السوريات بهؤلاء الجهاديين، وأنجبوا أطفالاً يعيشون مع أمهاتهم مجهولي النسب، بعد رفض جميع الدول والحكومات الغربية والعربية منحهم جنسية آبائهم أو حتى الاعتراف بوجودهم. بقيت الأمهات في حيرة من أمرهنّ، وأطفالهن يكبرون عاماً تلو الآخر دون مدارس أو اسم عائلة يحميهم من تبعات المستقبل.
في منزل ريفي بأطراف مدينة الرقة شمال سوريا، تروي أم إسحاق، وهي أم لطفلين من أب بريطاني كان قيادياً في صفوف تنظيم داعش الإرهابي، قصتها. قُتل زوجها في معركة الباغوز بداية عام 2019 بريف محافظة دير الزور شرقي البلاد، تاركاً لها جرحاً لن يندمل وأطفالاً يكبرون أمام ناظريها بلا لقب عائلة والدهم أو جنسيته. لا تمتلك أم إسحاق أي وثيقة تثبت نسبهم أو حتى تاريخ ولادتهم. هي واحدة من آلاف النساء السوريات اللواتي ارتبطن بمقاتلين أجانب، وسرعان ما تحولت زيجاتهن إلى كابوس وتركة ثقيلة تتحمل المرأة أعباء مسؤوليتها بمفردها.
ذكرت أم إسحاق، وهي في منتصف عقدها الثالث، لـ DW عربية أنها ارتبطت بجهادي بريطاني في فبراير/شباط 2015 ادعى أن اسمه "إسكندر عمر الجمالي". تكشّف لاحقاً أن هذا الاسم كان غير حقيقي، وأنه كان يشغل رئاسة مصانع تطوير الأسلحة بالتنظيم، حيث كان يصنع الأسلحة والطائرات المسيرة. وصفت أم إسحاق طباعه بأنها "قاسية"، وأضافت أنها تجهل اسم عائلته. كان هذا الجهادي مقرباً من زعيم ومؤسس تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، حيث كانت أم إسحاق تقول: "كلما غاب فترة طويلة عن المنزل، كان يخبرني بأنه التقى بالبغدادي وكيف نقلوه سراً للعراق حتى يقابله".
عن طبيعة حياتها السابقة، أوضحت أن طباعه كانت "قاسية"، واغرورقت عينيها بالدموع وهي تتذكر مواقف لن تنساها: "كان يضربني لأتفه الأسباب، كما كان يحرمني من الطعام والشراب مدة أسبوع لمعاقبتي". وقالت إن زوجها إسكندر، وبعد ارتباطهما بأقل من شهر، "تزوج من جهادية هولندية فرزوها له من ديوان التنظيم مكافأة لخدماته، ثم تزوج حلبية في نفس العام وتزوج للمرة الرابعة بفتاة من الرقة". لم ينجب أي أطفال إلا من زوجته الثانية بعد البريطانية أم إسحاق.
أكدت أم إسحاق أن عائلتها ومحيطها الاجتماعي يرفضون التعامل معها أو اللعب مع أطفالها، ويقولون إنهم "أطفال دواعش"، واصفة ذلك بـ "مأساة مضاعفة". ابنها إسحاق البالغ من العمر 10 سنوات، والذي كان يشكو من شظية في رأسه تحتاج إلى عمل جراحي، تعرض لها خلال سنوات مكوثهم بالرقة عام 2016 جراء قصف طيران التحالف الدولي. أما أخوه الأصغر يعقوب (8 سنوات)، فكانت ملامحه إنجليزية وهادئ الطباع وقليل الكلام، يشبه والده. تقول الأم: "أطفالي اليوم محرومون من مقاعد الدراسة، والسبب غياب البطاقة الشخصية ودفتر العائلة، لم أستطع تسجيلهم في أي مدرسة، يضاف لها عجز حالتنا المادية مما حرمهم من التعليم والعلاج المناسب".
خلال سنوات حكمه على مناطق شاسعة في سوريا ومراكز مدن حضرية بين أعوام 2014 و2019، تمكن تنظيم داعش من استقطاب آلاف الجهاديين من جميع أنحاء العالم. قدرت المملكة المتحدة عدد مواطنيها الذين التحقوا بالتنظيم بـ 850 شخصاً، بينهم 145 امرأة و50 طفلاً، أحدهم كان الجهادي إسكندر. تتساءل أم إسحاق بحيرة كونها تجهل حقيقة نسب زوجها السابق أو اسم عائلته، ولم يتواصل معها أي فرد من أفراد أسرته. مصير مجهول يكتنف طفليها اللذين لا يمتلكان ثبوتيات شخصية داخل البلد الذي وُلدا ونشآ فيه. أضافت بحسرة: "عندما أسعفهم للطبيب أو أي مستشفى يكون أول سؤال: ما هو اسم الأب وماذا يعمل، وهذا الجواب لا أملكه وأعجز عن كشف حقيقة والدهم". كل المعلومات التي تمتلكها هي أنه بعد دخوله لسوريا منتصف 2014، انتسب بدايةً لصفوف جبهة النصرة ثم التحق بصفوف داعش وكان أميراً فيها حتى مقتله.
وبحسب أم إسحاق، كان إسكندر متزوجاً من بريطانية رفضت بشدة مرافقته في سفره إلى سوريا، لكنها بقيت على تواصل معه طوال وجوده. علقت على نبأ مقتله: "بعد مقتله تواصلت زوجته البريطانية مرة وكانت تعلم مصيره، لكنها رفضت إعطائي أية معلومات عن عائلته أو عنوان سكنهم، ولم ترد على باقي الاتصالات". وعندما سمعت نبأ قتله: "صراحة فرحت كثيراً وصرخت من شدة سعادتي، أتذكر مرة ضربني في الشارع لدرجة أن المقاتلين جاؤوا مسرعين حتى خلصوني منه، بقيت ساعة كاملة مغمى عليّ من شدة الخوف، كان ظالماً"، على حد تعبيرها.
للمرة الأولى، تتحدث أم استبرق البالغة (38 عاماً) والمتحدرة من مدينة الرقة، وهي أرملة الجهادي الأمريكي "راسل دينيسون"، في حديث صحفي خصته لـ DW عربية. كان زوجها السابق من بين أوائل الأمريكيين الذين انضموا إلى تنظيم داعش، ويرجح مقتله بعبوة ناسفة أو قصف طيران للتحالف الدولي أثناء معركة الباغوز ربيع 2019. دينيسون كان ينحدر من ولاية فلوريدا الأمريكية ويعيش في ولاية بنسلفانيا. تقول أم استبرق: "دخل سوريا بداية 2015 ليغضب والده كثيراً ثم قطع علاقته معه كلياً، وبقيت والدته تتواصل معه وترسل الأموال، لأنه كان مصاباً عندما جاء إلى الرقة نهاية العام نفسه". وذكرت أيضاً أنه كان لديه صحفي أمريكي "وهو صديق مقرب كثيراً منه بقي يتواصل معه حتى مقتله".
أوضحت أم استبرق، التي اتشحت بالسواد ولم يظهر منها سوى عينيها، أنهما تزوجا سنة 2016 وتنقلوا بين معظم المناطق التي خضعت آنذاك لسيطرة التنظيم. "عندما وصل الرقة كان مصاباً في قدمه، لم يعمل شيئاً وكان يعيش على كفالة التنظيم وهي عبارة عن 50 دولار أمريكي شهرياً، لكن والدته كانت تساعدنا مادياً". كشفت أم استبرق أن دينيسون التحق بدايةً بصفوف جبهة النصرة والتي عرفت فيما بعد بـ هيئة تحرير الشام التي كان يقودها الرئيس الحالي أحمد الشرع قبل توليه رئاسة سوريا نهاية 2024، وأشهر إسلامه ثم بايع تنظيم داعش وكان اسمه الحركي "أبو يوسف جلال الدين". نوهت بأن علاقتهما في البداية كانت تتسم بالحب والتفاهم: "كان طيباً ويحكي العربية قليلاً، لكن خلافاتنا زادت وقرر أن يبقى مع التنظيم حتى قتل في الباغوز، وأنا نزحت لمخيم الهول ثم رجعت لعند أهلي بالرقة عبر كفالة العشائر".
كانت حياة الجهادي دينيسون يلفها الغموض، سيما بعد توجيه التنظيم اتهامات له بالتجسس والتخابر مع جهات دولية. تقول أم استبرق: "نهاية 2018 اعتقله التنظيم وبقي أكثر من شهر في السجن بتهمة التخابر والتجسس لصالح أجهزة مخابرات دولية". ونقلت بأن زوجها وبعد خروجه من السجن ألح كثيراً على الانشقاق والهروب إلى تركيا أو دولة ثانية. أما اليوم وبعد سنوات من مقتل زوجها، لا تخفي أم استبرق أنها تتعرض للتنمر الاجتماعي وتلاحقها وصمة الارتباط بـ "داعشي أمريكي"، وتعاني الرفض الاجتماعي من قبل أهلها والجيران، لأنها أرملة مقاتل أجنبي وأنجبت منه أطفالاً لا يحملون جنسية والدهم. وعن أبرز التحديات التي تواجه حياتها اليومية تضيف قائلة: "لا إثباتات لبناتي، لا دفتر عائلة ولا قيد مدني ولا نمتلك حتى وثيقة واحدة تثبت نسبهم وزواجي من مواطن أمريكي، وأن هذه البنات من صلبه".
بعد مضي عام وعدة أشهر على تولي الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع وسيطرة هيئة تحرير الشام وحلفائها على السلطة، والأخيرة كانت على صراع واقتتال استمر لسنوات ضد تنظيم داعش، تعهدت في مايو/أيار العام الماضي، بدمج المقاتلين الأجانب في وزارة الدفاع. تتساءل أم استبرق عن حالها وحال الكثير من السوريات اللواتي فقدن أزواجهن، وما إذا ستتمكن من تجنيس ابنتيها إذ يُنظر إليهن كمجهولتي النسب. كان دينيسون قد أعطى أم استبرق رقم صحفي أمريكي كانت تربطهما صداقة قوية بقيا على تواصل حتى مقتله، وأكدت أنه طلب من صديقه أن يتكفل بإيصالها إلى أهله ووالدته. "راسلت الرقم كثيراً لكنه لا يجيب رغم مناشداتي له". وأوضحت أن ابنتها استبرق تبلغ من العمر اليوم 9 سنوات وتتساءل كثيراً عن جدتها وأهل والدها، وتضيف: "ابنتي استبرق كبرت وتسألني دائماً عن جدتها وأهل أبيها، لأن دينيسون كان يحدثها عن أمه كثيراً، وكيف تعيش في منزل جميل في أمريكا ولديها حديقة كبيرة".
تغيب الأرقام والإحصاءات الرسمية عن عدد السوريات اللواتي تزوجن بمقاتلين أجانب ويصعب حصر أعداد أطفالهن. غير أن الكثير من واقعات الزيجات تمت في مدينة الرقة نظراً لأنها كانت أول مدينة حضرية سيطر عليها التنظيم في سوريا، وخضعت لسيطرته ما يقرب 4 سنوات متتالية بين أعوام 2014 و2017 قبل دحره على يد قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية. ومن بين هذه الزيجات قصة ثلاث أخوات تزوجن من مقاتلين عرب مهاجرين من نفس العائلة. تقول إحدى هذه السيدات وتدعى أم محمد لـ DW عربية، وتتحدر من بلدة المنصورة بريف مدينة الرقة من جهتها الجنوبية الغربية، إنها متزوجة من مقاتل تونسي من العاصمة تونس. تونس كانت ثالث أكبر دولة صدرت مقاتلين أجانب إلى سوريا خلال سيطرة داعش، وقدرت أعدادهم بنحو 3 آلاف مقاتل التحقوا بصفوف التنظيم، فيما بلغ أعداد المقاتلين من دول الاتحاد الروسي بـ 3400 مقاتل، وكان عدد المقاتلين الذين قدموا من الأردن يبلغ نحو 3 آلاف ومن فرنسا جاء 1900 جهادي.
وبحسب أم محمد، كان زوجها يلقب بـ "أبو بصير التونسي" محتجزاً لدى قوات "قسد" قبل أن ينقل الشهر الماضي إلى العراق، ولا تعرف عنه أية معلومات وما إذا قدم لمحاكمة. لديها ثلاثة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر 12 عاماً. وعن أخواتها البنات اللواتي تزوجن من مقاتلين عرب، تقول: "أختي الثانية متزوجة من مقاتل بحريني قتل في استعصاء سجن الحسكة قبل 6 سنوات وعندها طفل واحد، أما أختنا الثالثة متزوجة من مقاتل مغربي قتل بمعركة الباغوز ولديها طفلان منه".
لا توجد إحصائية دقيقة بحالات زواج السوريات بالمقاتلين الأجانب. وبحسب تقارير صحفية نشرت في العام 2018، يوجد حوالي 1750 حالة زواج لسوريات من مهاجرين أجانب، أنجبن قرابة 1830 طفلاً مجهولي النسب. وبحسب خبراء قانونيين، تنعكس تبعات هذه الزيجات على الأطفال بالدرجة الأولى، لبقائهم بدون أوراق ثبوتية، بلا مدارس، بلا رعاية صحية، ولا يحق لهم التنقل لغياب السجلات الرسمية، وبالتالي لا وجود قانوني لهم.
يشير المحامي والقانوني جوان محمد لـ DW عربية إلى أن زواج السوريات من جهاديين أجانب الذين إما قتلوا أو يقبعون خلف السجون، ولم يثبتوا زيجاتهم بشكل قانوني رسمي، "فالقانون السوري لا يمنح الجنسية لأطفال الأم السورية من أب أجنبي، وفي حال ثبت شرعاً وقانوناً أن الأب مجهول، يتم تسجيل الطفل على اسم أمه، بعد إجراءات طويلة ومعقدة ومصادقتها من المحاكم الشرعية".
وعن هذه الزيجات، تقول الناشطة الاجتماعية نورا خليل مديرة منظمة (شمس للتأهيل والتدريب) والتي عملت في مخيمات الهول وروج شمال شرقي سوريا، إن هذا الزواج: "يطلق عليه زواج عابر للجنسيات، تزداد نسبته خلال فترات الحروب والأزمات. فزواج السوريات من أجانب دمر مستقبل الأطفال بسبب ضياع نسبهم، وعدم القدرة على معرفة هوية الأب الحقيقية"، مما جردهم قانونياً من حقوقهم في التعليم والرعاية الصحية ولم ترد أسماؤهم في السجلات الرسمية، ولن يحصلوا على بطاقات الهوية.
وكانت منظمة اليونيسف الأممية قد حذرت في تقرير لها من أن السوريين الذين لم يسجلوا رسمياً واقعات زواجهم، "لم يتم تسجيل مواليدهم، يعملون بذلك على زيادة عدد النساء غير المحميات اجتماعياً، والأطفال الذين يفتقرون إلى وثائق الهوية والأهلية الاجتماعية". وأشار التقرير إلى أن السوريين كانوا يفتقرون لآليات وصول ميسرة للتسجيل الرسمي، "وإذا استمر الوضع القائم فهناك خطر ظهور جيل من الأطفال السوريين مجهولي النسب والهوية ضمن حدوده بعد انتهاء الأزمة السورية"، حسبما ورد في التقرير. تحرير: عارف جابو
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد