وهم الحياد في المنطقة: استراتيجية الهروب من واقع الصراع المفروض


هذا الخبر بعنوان "وهم الحياد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد الدكتور سلمان ريا أن ما يُطرح حالياً تحت مسمى "الحياد" لا يمثل استراتيجية حقيقية، بل هو محاولة للتهرب من معادلة إقليمية لا يمكن تجاوزها. فالمنطقة ليست على وشك الدخول في صراع، بل هي غارقة في عمقه، وما يتبدل هو مستوى انكشاف الأطراف، لا طبيعة الاشتباك ذاته.
إن الدعوات للخروج من هذه الدائرة المتشابكة تتجاهل حقائق جوهرية؛ فالعوامل الجغرافية لا يمكن إلغاؤها، كما أن الاعتماد البنيوي لا يمكن فك ارتباطه بمجرد بيانات سياسية.
غالباً ما يلامس الخطاب العربي السائد جوهر الأزمة، لكنه يتوقف عند حدود نصف الحقيقة. فالعرب يعانون بالفعل من هشاشة بنيوية واضحة تتجلى في ضعف الأمن المائي في العديد من المناطق، والاعتماد الاقتصادي الكبير على الخارج، بالإضافة إلى بنى تحتية مكشوفة وعرضة لأي صدمة كبرى.
وفي سياق أي مواجهة واسعة النطاق مع إيران، لن يكون السؤال المحوري "من سينتصر عسكرياً"، بل "من سيتمكن من الاستمرار في الحياة". هذه معادلة قاسية، لكنها تعكس واقع الحال.
ومع ذلك، فإن تحويل هذا الإدراك العميق إلى دعوة للحياد يكشف عن خلل استراتيجي أعمق. فالصراع مع إيران ليس خياراً يمكن رفضه، بل هو واقع مفروض بحكم التداخل المعقد بين قضايا الأمن، والطاقة، والممرات البحرية الحيوية، فضلاً عن الوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة.
من المستحيل إعلان الحياد بينما تكون جزءاً لا يتجزأ من البنية الأساسية التي يقوم عليها الصراع ذاته.
إن الخطأ الأكثر خطورة يكمن في الخلط بين الرغبة والقدرة. فعدم الرغبة في خوض الحرب أمر مفهوم، لكن القدرة على تجنبها تتطلب امتلاك أدوات حقيقية؛ مثل الردع الفعلي، والاستقلال الاقتصادي، والعمق الاستراتيجي، والتماسك الداخلي. وبدون هذه العناصر الأساسية، يتحول "الحياد" إلى مجرد فراغ جيوسياسي، والفراغ بطبيعته لا يبقى شاغراً، بل يُملأ على الفور بقوة أخرى، وغالباً ما يكون ذلك بشروطها الخاصة.
أما الخطاب الذي يصور الولايات المتحدة كـ"حليف لا يمكن الوثوق به"، فهو تبسيط مريح للواقع. فالعلاقات الدولية لا تحكمها العواطف، بل المصالح المتحركة والمتغيرة. المشكلة الحقيقية ليست في نوايا واشنطن أو طهران، بل في موقع العرب أنفسهم: هل يمتلكون القدرة على فرض شروط جماعية، أم أن كل طرف عربي يتحرك ضمن الشروط التي يفرضها الآخرون؟
تبدو الدعوة إلى "الوحدة العربية" جذابة، لكنها في الواقع أقرب إلى حنين سياسي منها إلى مشروع قابل للتطبيق. فالأنظمة التي فشلت في تنسيق سياساتها الاقتصادية أو الأمنية خلال أوقات الاستقرار، من غير المرجح أن تتحول فجأة إلى كتلة استراتيجية متماسكة تحت وطأة الضغط. الفكرة بحد ذاتها ليست خاطئة، لكنها تفتقر إلى الأدوات اللازمة لتحقيقها، وبالتالي تظل بلا أثر فعلي.
إن ما يحتاجه العرب ليس خطاباً أخلاقياً يدعو إلى الحياد، بل إعادة تموضع استراتيجي واقعي ضمن الصراع القائم. يتطلب ذلك الانتقال من الاعتماد الأحادي إلى تنويع التحالفات، ومن مجرد استهلاك الأمن إلى إنتاج جزء من القوة الذاتية، ومن رد الفعل السلبي إلى المبادرة المحدودة. ليس الهدف هو الانتصار في حرب كبرى، فهذا وهم، بل منع الحرب من أن تتحول إلى تهديد وجودي شامل.
الحقيقة التي يتم تجاهلها هي أن العرب لا يملكون القدرة على خوض حرب مفتوحة، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون البقاء خارجها بالكامل. وبين هذين الحدين، لا يوجد مفهوم للـ"حياد"، بل هناك ضرورة لإدارة دقيقة للمخاطر، فكل قرار يُتخذ يحمل في طياته كلفة معينة، وكل تردد يضاعف هذه الكلفة.
في الختام، لن يُسأل أحد عما كان يرغب فيه، بل عما كان قادراً على فعله عندما لم يعد هناك متسع من الوقت للاختيار. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة