تحديات مكافحة الكبتاجون في سوريا: جهود مستمرة وشبكات عابرة للحدود


هذا الخبر بعنوان "رغم الجهود.. حرب “الكبتاجون” مستمرة في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكثر من عام مضى على سقوط نظام الأسد، لكنه لم يكن كافيًا للقضاء على ملف المخدرات الذي لا يزال يشكل إحدى أبرز المشكلات الأمنية في سوريا. فإعلانات وزارة الداخلية السورية عن ضبط شحنات المخدرات، سواء في المستودعات أو تلك المعدة للتهريب، لا تتوقف، مما يثير تساؤلات حول أسباب استمرار هذه الظاهرة رغم الجهود الحكومية المعلنة والتعاون الإقليمي مع دول الجوار.
في 28 من آذار الماضي، أعلنت وزارة الداخلية عن ضبط وتفكيك ماكينة لتغليف المواد المخدرة في ريف درعا، ومصادرة كميات "ضخمة" منها، تقدر بنحو مليون حبة "كبتاجون" كانت مخزنة ومعدة للتهريب. كما أحالت المتهمين إلى القضاء المختص، مع استمرار التحقيقات لكشف أبعاد "الشبكة الإجرامية". وفي سياق الجهود المعلنة، أكدت إدارة مكافحة المخدرات ضبط أكثر من مليوني حبة "كبتاجون" و84 كغ من الحشيش خلال شباط الماضي.
يرى الباحث في "المركز السوري للدفاع والأمن" (مسداد)، معتز السيد، في حديثه إلى عنب بلدي، أن عدم نجاح الدولة السورية في القضاء على تهريب المخدرات يعود إلى كون الظاهرة ليست محلية فحسب، بل إقليمية ومتشابكة. وأوضح السيد أن شبكات التهريب تعمل عبر الحدود، وتمتلك خبرة طويلة وموارد مالية كبيرة، مما يجعل تفكيكها معقدًا. كما أن طول الحدود السورية وصعوبة ضبطها بالكامل يسهل استمرار التهريب، بالإضافة إلى بقايا شبكات قديمة نشأت خلال سنوات حكم نظام الأسد لم تُفكك بالكامل، وضعف الإمكانيات التقنية واللوجستية.
من جانبه، أشار الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، نوار شعبان قباقيبو، في حديثه إلى عنب بلدي، إلى أن اختفاء التشكيلات الأساسية التي كانت قائمة على إنتاج "الكبتاجون" مثل "الفرقة الرابعة" وغيرها من التشكيلات الأمنية أيام النظام السابق، لم يمنع استمرار الشبكات الإجرامية الصغيرة التي ما زال لديها مخزون قديم. وأضاف قباقيبو أن هذه الشبكات تحاول تمرير مخزونها مرارًا وتكرارًا، معتبرًا أن المستودعات التي يعلن عن ضبطها تعود إلى هذه المخزونات القديمة.
لم تقتصر الجهود الحكومية السورية على إمكانياتها الذاتية في مكافحة تجارة المخدرات، بل امتدت إلى عمليات مشتركة مع دول الجوار. ففي 18 من شباط الماضي، أعلنت وزارة الداخلية عن إحباط مخطط لتهريب شحنة كبيرة من المواد المخدرة إلى خارج البلاد في محافظة حمص، بالتعاون والتنسيق مع المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في العراق. وأسفرت العملية عن إلقاء القبض على شخصين متورطين في إدارة شبكة تهريب دولية، وضبط نحو 400 ألف حبة "كبتاجون" كانت معدة للتهريب. كما أجرت السلطات السورية عمليات مشابهة بالتعاون مع الجانب الأردني.
أوضح الباحث نوار شعبان قباقيبو أن الشبكات العاملة في تجارة "الكبتاجون" تمثل سلسلة مركبة من الإنتاج والبيع والشراء. فمورد المواد الأولية ما زال موجودًا ومجهول المصدر، وقد يكون من دول أمريكا الجنوبية أو أفغانستان، وكذلك الجهة المشترية. وأكد أن ضبط شحنة متجهة إلى دولة أخرى يبرز أهمية عدم إغفال الجهة المشترية، مشيرًا إلى أن كثافة الطلب تشجع على استمرار التصنيع، خاصة مع المردود المالي الكبير الذي قد يتجاوز تكلفة الإنتاج بثلاثة أضعاف.
ويرى قباقيبو أن القضاء على ظاهرة المخدرات يتطلب تعاونًا دوليًا وجهدًا استخباراتيًا مشتركًا لمعرفة سلسلة التوريد بأكملها، فالعثور على مستودعات أو مصادرة شحنات لا يكفي طالما أن الطلب موجود.
من جانبه، يعتقد الباحث معتز السيد أن تعاون الحكومة السورية مع دول الجوار يمثل خطوة أساسية لأن التهريب عابر للحدود. ونوه إلى أن التنسيق مع العراق والأردن وحتى لبنان يساعد في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات ومسارات التهريب، ويزيد من فرص ضبط الشحنات. كما أن العمليات المشتركة تضيق الخناق على المهربين وتوحد الإجراءات الأمنية على الحدود، فغياب هذا التنسيق يبقي الجهود داخل سوريا محدودة التأثير.
خلال فعالية نظمتها وزارة الداخلية السورية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة في 11 من آذار الماضي، أشار نائب وزير الداخلية السوري، اللواء عبد القادر طحان، إلى أن إتلاف حبوب المخدرات المصادرة يحتاج إلى آليات حديثة لا تسبب أضرارًا على البيئة والمجتمع، مطالبًا بمساعدة دولية لإتلاف 653 مليون حبة "كبتاجون" تم ضبطها خلال 15 شهرًا.
قال الباحث نوار شعبان قباقيبو إن هناك طرقًا حديثة صديقة للبيئة لإتلاف حبوب المخدرات، باعتبارها مواد كيماوية قد تلوث الجو إذا تم التخلص منها بطرق عشوائية، مما يفسر أهمية التعاون بين الأمم المتحدة والدولة السورية للوصول إلى التقنيات المطلوبة.
وأشار الباحث معتز السيد إلى أن الطرق الحديثة للتخلص من المخدرات تركز على تقليل الأضرار البيئية، مثل الحرق في أفران متخصصة مع أنظمة تنقية، أو استخدام المعالجة الكيماوية. وأضاف أن الدولة السورية ربما لا تمتلك حاليًا الإمكانيات التقنية الكافية لاعتماد هذه الوسائل المتقدمة، مما يجعل الحرق الخيار المتاح رغم مخاطره البيئية، الأمر الذي دفع الحكومة السورية للبحث عن خيارات أكثر واقعية من خلال تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، للحصول على الدعم التقني واللوجستي.
أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) تقريرًا في 22 من كانون الأول 2025، أشار فيه إلى تعطل التصنيع واسع النطاق لمادة "الكبتاجون" في سوريا بعد عام على سقوط نظام الأسد، وقيام الحكومة السورية بتفكيك 15 مختبرًا صناعيًا و13 منشأة أصغر لتخزين "الكبتاجون" منذ كانون الأول 2024.
لكن الباحث معتز السيد أبدى شكوكًا في توقف إنتاج "الكبتاجون" بشكل كامل، موضحًا أن عمليات التصنيع تراجعت وأصبحت أكثر سرية لكنها لم تتوقف نهائيًا. وأضاف أن التقديرات التي كانت تشير إلى مسؤولية نظام الأسد عما يقارب 70 إلى 80% من إنتاج "الكبتاجون" في العالم، تعطي مؤشرات واضحة أن المخزونات التي خلفها وراءه كبيرة جدًا وما زالت تُهرب إلى اليوم. وبيّن أن تصنيع "الكبتاجون" استقطب عددًا هائلًا من الأشخاص الذين عملوا في هذا المجال، وأن شبكات التصنيع والتهريب أعادت تنظيم نفسها، وبعضها انتقل خارج الحدود، مؤكدًا أن نشاطها لا يزال قائمًا وسيبقى موجودًا حتى اكتمال بناء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية السورية.
من جهته، أوضح الباحث نوار شعبان قباقيبو أن تقرير الأمم المتحدة يتحدث عن توقف الإنتاج خلال الفترة الحالية، لكن المستودعات العاملة منذ عهد الأسد ما زالت موجودة، والشبكات القائمة عليها تعمل على ترويج مخزونها. وأضاف قباقيبو أن وجود تهديدات أمنية مركبة عديدة، مثل تنظيم "الدولة" وفلول النظام و"حزب الله" اللبناني، بالإضافة إلى الجريمة المنظمة، يبقي بعض البؤر من الجغرافيا السورية في حالة هشاشة أمنية، خاصة في دولة خارجة للتو من نزاع عسكري، مما تستفيد منه شبكات المخدرات.
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة