الرقة: تراجع حاد في زراعة القطن يدفع المزارعين للعزوف عن 'الذهب الأبيض'


هذا الخبر بعنوان "الرقة.. تراجع حاد وعزوف عن زراعة القطن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت محافظة الرقة تراجعاً ملحوظاً في زراعة محصول القطن، الذي يعد من المواسم الاستراتيجية في المنطقة. فالمزارع حسين الكردي (50 عاماً) قرر تخفيض المساحة المخصصة لزراعة القطن من أربعة هكتارات إلى هكتار واحد فقط هذا الموسم، مرجعاً السبب إلى غياب الدعم وضعف التسويق. وأوضح الكردي لـ"عنب بلدي" أن تراجع زراعة القطن في الرقة بدأ منذ عام 2012، ووصل إلى أدنى مستوياته في السنوات الأخيرة.
من جانبه، أكد المزارع محمد الكراف من الرقة عدم نيته لزراعة القطن في أرضه البالغة مساحتها 30 دونماً، متجهاً بدلاً من ذلك إلى زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا كمحاصيل صيفية. وعزا الكراف هذا العزوف إلى التكاليف الباهظة التي يتكبدها المزارع حتى نهاية الموسم، مشيراً إلى أن تكلفة الدونم الواحد من القطن بلغت 150 دولاراً، تتوزع بين اليد العاملة، الحراثة، الأسمدة، ورش المبيدات. ووفقاً لمزارعين التقتهم "عنب بلدي"، تراجعت زراعة القطن في محافظة الرقة بنسبة وصلت إلى 80%، وهي نسبة وصفوها بـ"الخطيرة" على الدورة الزراعية.
المهندس الزراعي هاني السلطان أوضح لـ"عنب بلدي" أن تاريخ زراعة القطن في المنطقة يعود إلى ستينيات القرن الماضي، وشهدت محافظة الرقة ازدهاراً حقيقياً منذ التسعينيات بفضل تنظيم عمليات الري، توسع استصلاح الأراضي، إنشاء شبكات الري الحديثة، وبناء السدود. وبلغت ذروة هذا الازدهار في بدايات الألفية الجديدة، حيث كانت هناك خطة زراعية واضحة من وزارة الزراعة تعتمد على زراعة 60% من المساحات بالقمح و40% بمحاصيل صيفية منها القطن.
ويرى حسين الكردي أن أسباب تراجع زراعة القطن متعددة، أبرزها غياب مؤسسة متخصصة لدعم وتسويق المحصول، وعدم توفير بذور قطن محسّنة تتناسب مع تربة ومناخ المحافظة. كما أن السعر الذي كانت تحدده "الإدارة الذاتية"، الذراع الإدارية لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، لم يكن مناسباً مقارنة بتكاليف الإنتاج المتزايدة، خاصة تكاليف جني المحصول ونقص مياه الري. وكانت "الإدارة الذاتية" قد حددت العام الماضي سعر طن القطن بـ600 دولار أمريكي، وهو سعر اعتبره حسين مجحفاً، مشيراً إلى أنه سوّق محصوله بـ530 دولاراً فقط بحجة ارتفاع رطوبة القطن. ويتراوح معدل إنتاج الدونم الواحد من القطن بين 250 و400 كيلوغرام حسب الظروف المناخية.
من جهته، أشار المهندس هاني السلطان إلى أن التراجع الفعلي بدأ مع اندلاع الثورة السورية بين عامي 2011 و2012، وخروج الرقة عن سيطرة النظام السابق عام 2013، وتوالي الفصائل على حكم المنطقة دون خبرة في إدارة الشؤون الزراعية، مما ألحق أضراراً كبيرة بالقطاع الزراعي. وبيّن السلطان أنه خلال سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" ثم "قسد"، لم يكن هناك اهتمام كافٍ بـ"الذهب الأبيض"، رغم غنى المنطقة بالمياه ومشاريع الري. كما دخلت أصناف تركية مجهولة المصدر لم تتأقلم مع المنطقة، وكانت عرضة لآفات مثل الدودة الأمريكية وديدان اللوز. وأكد السلطان أن معظم مزارعي الرقة توقفوا بشكل شبه كامل عن زراعة القطن في عامي 2024 و2025، بسبب عدم توفر أصناف مقاومة للآفات، ونقص البذار المعتمدة، وتضرر قنوات الري، ونقص المخزون المائي. كما أن جني القطن يشكّل 20% من تكلفة الإنتاج.
ظهر في العامين الماضيين صنف محلي يُعرف باسم "القطن المُر"، جاء إلى الرقة عبر تجار من الحسكة. يتميز هذا الصنف بمقاومته للآفات وإنتاجيته المقبولة، لكنه مجهول المصدر وغير معتمد، ولا يتحمل الحرارة العالية، ويحتاج إلى كميات كبيرة من المياه وتنظيم دقيق للري، بحسب المهندس هاني السلطان. ويصل إنتاج هذا النوع إلى 800 كيلوغرام للدونم الواحد، مقارنة بالقطن العادي الذي نادراً ما يتجاوز 300 كيلوغرام.
وصف المهندس السلطان عمل مديرية الزراعة بـ"الضبابي"، موضحاً أنها لم تبدأ بعد بعملية الترخيص أو وضع خطة زراعية لموسم القطن الذي سيبدأ قريباً. واعتبر هذه الضبابية إهمالاً واضحاً لمحصول استراتيجي يمكن أن يحقق مردوداً مالياً عالياً للفلاح. وتمنى السلطان توجيه الوحدات الإرشادية، وإجراء التراخيص اللازمة، وتزويد الفلاحين بالبذار والسماد المدعوم، وضبط أجور قطف القطن من قبل اليد العاملة، وتوفير الاحتياجات المائية اللازمة.
تخطط وزارة الزراعة السورية لزراعة 50,000 هكتار من محصول القطن هذا الموسم، ودعم القطاع للوصول إلى مستويات ما قبل 15 عاماً. جاء ذلك خلال إعلان الوزارة عن خطتها في مؤتمر "القطن" بنسخته الـ41، الذي أقيم في حلب في 26 من آذار الماضي، وحضرته "عنب بلدي". وقال وزير الزراعة السوري، أمجد بدر، إن إعادة القطن إلى مكانته تتطلب زيادة المساحة المخصصة له، ورفع مردودية وحدة المساحة، وتنمية الموارد الزراعية المتاحة، وتطويرها مستقبلاً عبر التحول للري الحديث واستنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية ومقاومة للتغيرات المناخية.
مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة، محمد معري، أوضح لـ"عنب بلدي" حينها أنه كان من المخطط زراعة 40,000 هكتار من القطن، لكن ما نُفذ على مستوى سوريا عام 2025 هو 25,000 هكتار فقط، في حين أن المخطط لهذا العام يبلغ 50,000 هكتار. وأكد معري أن الوزارة ستشتري كامل محصول القطن من المزارعين الملتزمين بخططها، متوقعاً أن يكون سعر شراء الكيلوغرام الواحد لموسم 2025 بحدود 8500 ليرة سورية (نحو 0.70 دولار)، بينما ستدرس الوزارة تكاليف العام الحالي لتحديد السعر بعد نهاية الموسم.
تشكّل مساحات القطن في سوريا ما بين 20 و22% من الأراضي المروية المزروعة، ويعمل بإنتاجه نحو 20% من السكان في مجالات الزراعة، التجارة، الصناعة، والنقل، بحسب بيانات وزارة الزراعة في مؤتمر "القطن". وتعتبر دورة إنتاج القطن كاملة في سوريا، من المادة الخام إلى المنتج النهائي، حيث يعد القطاع النسيجي من أهم القطاعات الصناعية. واحتلت سوريا لسنوات المرتبة الثانية عالمياً في مردود وحدة المساحة، حيث تطور المردود من 1625 كيلوغراماً للهكتار الواحد عام 1970 إلى 4000 كيلوغرام للهكتار عام 2010. لكن إنتاج القطن تراجع من نحو مليون طن عام 2005 إلى ما يقارب 97,000 طن من القطن المحبوب عام 2020، كما تراجعت المساحة المزروعة من 237,000 هكتار عام 2005 إلى 32,000 هكتار في عام 2020.
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد