الصحافة الاستقصائية في سوريا: لماذا تظهر قضاياها الحساسة في الإعلام الأجنبي وتغيب محلياً؟


هذا الخبر بعنوان "القضايا السورية في استقصاءات من خارج الحدود.. لماذا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتساءل صحفيون في سوريا، ومنهم علي عيد، عن السبب وراء ظهور التحقيقات الاستقصائية المتعلقة بانتهاكات وفساد داخل البلاد في وسائل إعلام أجنبية، بدلاً من نشرها في الإعلام المحلي المستقل أو الحكومي. يرجع عاملون في الوسط الإعلامي هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، منها ضعف ثقة الجمهور أو عدم جدوى هذه التحقيقات محلياً، أو التكاليف الباهظة والقدرات المحدودة، أو غياب الجرأة في ظل بيئة تفتقر للحماية والظروف الأمنية الملائمة للصحفيين أنفسهم. كل هذه العوامل تثير تساؤلات مشروعة حول غياب الصحافة العميقة في الإعلام المحلي، مقابل انتشار صحافة هجومية وسطحية تفتقر إلى السياقات.
السؤال الاستباقي هنا هو: هل تُعتبر صحافة المساءلة أو الصحافة العميقة عدواً أم حاجة ملحة، وكيف يُنظر إليها في سوريا؟ بشكل عام، تُعد الصحافة الاستقصائية مصدراً للإزعاج ليس للسلطة فحسب، بل لكل دوائر القوة داخل أي مجتمع، مثل الشركات الكبرى ورجال الأعمال والسياسيين وقوى الأمر الواقع. فهي تنافس الهيئات والمؤسسات المعنية بالكشف عن الفساد والانتهاكات، وتقدم مادة غنية قد تتسبب في فتح تحقيقات واسعة، ربما تطيح بحكومات أو تجرّ شركات أو أشخاصاً إلى المحاكمات. ومع ذلك، تدرك الحكومات الذكية أن الصحافة الاستقصائية يمكن أن تكون أداة ضبط مبكرة، تمنع تحول الأزمات إلى انفجارات.
تواجه صحافة المساءلة أربعة نماذج مختلفة بحسب الدول والمجتمعات ومراكز القوة:
التوظيف الذكي: تستفيد بعض الدول من الصحافة الاستقصائية كجزء من منظومة مكافحة الفساد، وكشف الخلل قبل تحوله إلى أزمة سياسية. كما تسهم في كشف شبكات نفوذ متضاربة لا تستطيع الدولة دائماً تفكيكها من الداخل. يعزز هذا النموذج الثقة داخلياً، ويقدم إشارات إيجابية للمانحين والمستثمرين خارجياً، ويخفض تكاليف هيئات المراقبة. وبدلاً من أن تُروى القصة من الخارج، تُنتج داخلياً بقدر أكبر من التوازن. ينتشر هذا النموذج في الدول التي تتمتع بمستوى متقدم من الحريات والقوانين والتشريعات والشفافية، وغالباً ما يُدعم فيها الإعلام من أموال دافعي الضرائب بشكل مستقل.
الاحتواء: تنتهج بعض الحكومات سياسة السماح المحدود، وإدارة سقف الحريات بدلاً من إغلاقه، حيث تستخدم التحقيقات "غير الحساسة" كـ"صمام تنفيس". يُعتبر هذا النموذج ضاراً ومضللاً للرأي العام، لأنه لا يقدم الحقائق كاملة، وقد يتسبب في التلاعب بالجمهور وتوظيف "نصف حقائق"، وإخفاء ما هو أعمق وأخطر. نتيجة لهذا النهج، تفقد الصحافة الاستقصائية معناها الحقيقي، وتضعف الثقة بالصحفيين والمؤسسات وحتى بالمحتوى على المدى الطويل.
المنع الكامل: تعتبر السلطات التحقيق الصحفي تهديداً مباشراً، وتخشى فقدان السيطرة على السرد. ينتشر هذا النمط غالباً في الدول التي تنعدم فيها الشفافية وينخفض مستوى الحريات. تتلخص أسباب المنع أو التقييد في تجنب فتح ملفات غير مرغوبة سياسياً، وكشف خلل مؤسسي عميق يتجاوز فساد الأفراد إلى فساد بنى كاملة. تقدم بعض الأنظمة الحكومية مبررات للمنع، منها الاستغلال السياسي أو الخارجي عبر تضخيم تحقيقات لخدمة أجندات مختلفة، أو تأثير المحتوى على الاستقرار وخلق التوترات. في الغالب، تحاول تلك الحكومات إخفاء قضايا تعجز عن معالجتها، أو لا تريد ذلك لأسباب متعددة، منها وجود فساد حقيقي وانتهاكات واسعة. نتيجة لهذا النهج، تنتقل التحقيقات إلى الخارج، ويبدأ فقدان السيطرة على السرد.
الكبح الذاتي: في بعض الدول والمجتمعات التي لا تُموّل فيها الصحافة من دافعي الضرائب، تعيش الصحافة الاستقصائية حالة كبح ذاتي لأسباب تتعلق بملكية وسائل الإعلام، وضغط قوى ومراكز النفوذ السياسي والاقتصادي. يؤدي استحواذ شركات ورجال أعمال على وسائل الإعلام إلى محاربة الاستقصاء والتضييق عليه مالياً، وبالتالي دفعه نحو تقليص عمله. وهنا يبرز دور الجمهور وأصحاب المصلحة في معرفة الحقائق. نتيجة لهذا النهج، تتحول المؤسسات الصحفية العاملة في البحث الاستقصائي إلى نموذج أشبه بجمعيات عاجزة، تؤمّن تمويلها بصعوبة، ويستهلك الإقناع بالتمويل جهد تلك المؤسسات على حساب عملها الأساسي.
السؤال المطروح هنا هو: أين تقع سوريا من هذه النماذج؟ للإجابة عن السؤال الذي طُرح في مطلع المقال، وهو: لماذا تغيب التحقيقات الاستقصائية في وسائل إعلام محلية سورية، وتظهر في وسائل أجنبية كبيرة ومعروفة؟ ما زالت سوريا تعاني مشكلات عميقة في بيئة العمل الصحفي، منها ما هو مبرر، ومنها ما هو متعلق بأسباب قانونية وثقافية واجتماعية وسياسية، مثل:
التكاليف والموارد: غياب سوق الإعلان والصحافة الممولة ذاتياً، مما يعني عدم وجود صحافة مستقلة دون مانح خارجي.
الحماية: عدم وجود بيئة تشريعية واضحة تضمن حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات، وتحميه من خطر الإيذاء عند النبش في ملفات حساسة، مما يحوّل عمل الاستقصاء إلى مخاطرة شخصية عالية التكلفة.
الثقة: ضعف ثقة الجمهور بالصحافة المحلية وبالمصادر التي تقدمها، مما يؤثر في التفاعل مع النتائج، ويفسح المجال أمام سطوة الإعلام الخارجي.
المهارات: تعاني بيئة الإعلام من ضعف المهارات والتعامل مع تقنيات رصد الظواهر وإعداد البيانات وتحويلها إلى مادة صحفية كاشفة.
الشفافية: تُعتبر سوريا اليوم دولة بلا أرقام ولا إحصائيات، كما يعاني الصحفيون من العجز في الحصول على المعلومات الحساسة من دوائر الشرطة والمحاكم والجهات الرقابية ودوائر صنع القرار. وهذا يعني أن معظم عمل الاستقصاء سيعتمد على التوقعات أو بناء بيانات مكلفة في الوقت والجهد والمال.
الحكومات ليست مطالبة بتبني الصحافة الاستقصائية، لكن محاربتها ومنعها ينقل هذا الدور إلى الإعلام الخارجي، ويترك المجال أمام الفساد ليتراكم بصمت. وبدلاً من الاستفادة من صحافة المساءلة كصمام أمان وأداة رقابة غير رسمية وقناة لتصحيح الأخطاء، يأخذ الإعلام الخارجي هذا الدور كمصدر وأداة تحكم.
في النهاية، الجمهور هو صاحب المصلحة الأساسي في الصحافة الاستقصائية، وهو من يجب أن يتبناها، لأنها أداته للمساهمة في قضايا الشأن العام والتغيير والمحاسبة. وللحديث بقية.
صحة
سياسة
سياسة
سياسة