أحداث السقيلبية: صراع اجتماعي يكشف تراجع مرجعية الدولة وتأثير "النبوءة المحققة لذاتها" في سوريا


هذا الخبر بعنوان "أحداث السقيلبية.. النبوءة التي تحقق ذاتها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد المجتمع السوري مؤخرًا توترًا اجتماعيًا في مدينة السقيلبية بريف حماة الغربي، إثر حادثة بدأت بخلاف بين شبان وتطورت سريعًا إلى ما يُعرف بـ"الفزعات". أدت هذه التطورات إلى هجوم على المدينة ذات الأغلبية المسيحية، تخلله تكسير سيارات ومحال تجارية، مع ورود معلومات عن إصابة شابين بجروح متفاوتة، دون تسجيل وفيات.
تعددت الروايات حول الأسباب المباشرة للحادثة، لكن معظم الشهادات أكدت أنها لم تكن ذات طابع ديني في بدايتها. غير أن مسارها تغير لاحقًا مع تدخل ناشطين ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، الذين قدموا عشرات القراءات والتفسيرات للحدث، كلٌّ من زاويته الخاصة.
بغض النظر عن الأسباب المباشرة، أعادت هذه الحادثة إلى السطح ظاهرتين خطيرتين تستحقان التوقف عندهما لمستقبل البلاد. الأولى هي انتشار منطق "الفزعات" في المجتمع السوري، الذي يهدد النسيج الاجتماعي ومفهوم الدولة. هذا المنطق، القائم على التضامن الفوري خارج إطار القانون، لم يعد مقتصرًا على البيئات العشائرية أو المناطق الهامشية، بل بدأ يتسلل إلى مراكز المدن حيث يُفترض الاحتكام لمؤسسات الدولة. هذا التحول لا يعكس مجرد امتداد جغرافي لظاهرة اجتماعية، بل يشير إلى تراجع في مرجعية الدولة لصالح أشكال أولية من التنظيم الاجتماعي، تعيد إنتاج روابط ما قبل الدولة. وقد عانى السوريون من نتائج هذا المنطق سابقًا، كما في حالة السويداء التي لا تزال تداعياتها مفتوحة، مما يستدعي تعامل الدولة والمجتمع مع هذه الظاهرة كأزمة بنيوية.
أما النقطة الثانية والأهم، فتتعلق بطريقة قراءة ما حدث. فمعظم التفسيرات المقدمة للحادثة تذكرنا بمفهوم "النبوءة التي تحقق ذاتها" الذي صاغه روبرت ميرتون، وأصبح جزءًا من علم النفس الاجتماعي. يشير ميرتون إلى أن التوقعات المسبقة، حتى وإن كانت غير دقيقة في بدايتها، يمكن أن تدفع الأفراد والجماعات إلى التصرف بطريقة تجعل هذه التوقعات تتحقق فعليًا. المثال الكلاسيكي هو إشاعة إفلاس بنك تدفع المودعين لسحب أموالهم، مما يؤدي إلى انهياره. لكن في الحالة السورية، لا يقتصر الأمر على إنتاج الحدث، بل على تثبيت معناه قبل وقوعه.
يبدو السياق العام في سوريا اليوم مهيأ لتوقع صدام بين السلطة والمكون المسيحي. فمنذ فترة، يتكرر الحديث عن "حلف الأقليات"، ورغم عدم وجوده الفعلي، فقد لقي جاذبية لدى المتطرفين من الطرفين، لأنه يؤكد قراءتهم للأحداث. غير أن هذا التصور بقي ناقصًا لغياب توتر مباشر بين السلطة والمجتمع المسيحي، وكأن الذهن يسعى لإتمامه. وفي هذا السياق، جاءت بعض القرارات الأخيرة، كحصر بيع واستهلاك الكحول في مناطق محددة، لتعزز هذا التصور عبر إعادة ترسيم المجتمع ضمن خطوط طائفية واضحة، مما يعزز شعورًا بالغبن لدى بعض الأطراف، مقابل شعور بالشرعية لدى أطراف أخرى.
في ظل هذا المناخ، لم تعد الحوادث تُقرأ كوقائع مستقلة، بل كأدلة تؤكد ما كان متوقعًا مسبقًا. وهذا ما حدث في السقيلبية؛ فبمجرد وقوع الحادثة، اندفعت القراءات نحو تفسيرها ضمن هذا الإطار الجاهز، بغض النظر عن طبيعتها الأصلية أو أسبابها المباشرة. لم يكن الأمر يتعلق فقط بما حدث، بل بكيفية استقباله وإدراجه فورًا ضمن سردية أكبر، وهنا تتحول "النبوءة" من مجرد توقع إلى عدسة قراءة، تعيد تشكيل الواقع وتضخمه.
ورغم أن فتيل الفتنة أُخمد سريعًا بفضل تدخل فاعلين اجتماعيين من الطرفين، فإن ما تلا ذلك لم يكن كافيًا لطمأنة الجميع. بل على العكس، بدا أن نتائج الحادثة لم ترضِ شريحة واسعة، خاصة في ظل حديث عن تفاوت في تعامل السلطة بين الأطراف، دون إمكانية التحقق الدقيق من صحة هذه الادعاءات. وهذا بحد ذاته يعكس عمق الأزمة، حيث لا تعود المشكلة في الحدث، بل في المناخ الذي يستقبله ويعيد إنتاجه باستمرار. ربما تكون هذه الأزمة قد انتهت ظاهريًا دون انزلاق واسع، إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه لا يقتصر على ما جرى، بل على ما قد يتكرر. فالمجتمع اليوم يبدو مهيأ نفسيًا لهذا النوع من الخلافات، بل وكأنه في حالة انتظار لها. وهنا تتضاعف المسؤولية، ليس على الدولة فقط في ضبط هذه الأحداث ومنع توسعها، بل على المجتمع أيضًا، في وعيه لهذا الانتظار ذاته، والعمل على تفكيكه وفهمه، فالمشكلة لم تعد في الحادثة حين تقع، بل في وهم ترقبها قبل أن تحدث.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة