مار شربل: من جذور سورية محتملة إلى قداسة عالمية وحضور روحي يتجاوز الزمان والمكان


هذا الخبر بعنوان "القديس مار شربل : من تاريخ غامض الى حضور لا يمكن انكاره" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف - دبي
تستحضرني دائمًا سرديات تتعلق بسيرة القديس شربل مخلوف، بوصفه شخصية تتجاوز حدود الجغرافيا وتتشكل في تقاطع التاريخ الشعبي مع الذاكرة الدينية. تروى حكايات عن جذور لعائلته تمتد إلى قرية الصايد في حمص، وأن آل مخلوف المنتشرين في سوريا اليوم يحملون صلة قربى بعيدة به. ورغم أن هذه الرواية لا تثبتها المصادر الكنسية الصارمة، إلا أنها تظل ممكنة في سياق القرن التاسع عشر، حين كانت بلاد الشام فضاءً واحدًا تحت الحكم العثماني، وكانت الهجرة بين حمص وجبل لبنان أمرًا مألوفًا بفعل الضرائب والسخرة والتوترات الطائفية. في تلك الفترة، كانت العائلات تنتقل وتعيد تشكيل أنسابها وتستقر في القرى الجبلية.
وُلد يوسف أنطون مخلوف سنة 1828 في بقاعكفرا بشمال لبنان، ونشأ في بيئة فقيرة متدينة تشربت الصمت والصلاة منذ الطفولة. كان يميل إلى العزلة ويرعى الغنم ويختلي في مغارة صغيرة بمحيط القرية، كأن بذرة النسك قد زُرعت فيه مبكرًا. اختار طريق الرهبنة وغادر بيته سنة 1851 متوجهًا إلى الحياة الرهبانية في دير ميفوق، حيث بدأ تخرجه في الطهارة والقداسة عبر نظام صارم من الطاعة والصمت والعمل اليدوي والصلاة المتواصلة. ثم انتقل إلى دير مار مارون في عنايا وأكمل دراسته اللاهوتية إلى أن سُمي كاهنًا سنة 1859، وهناك أخذ اسم شربل استلهامًا من قديس أنطاكي، في إشارة رمزية إلى الامتداد السوري الأنطاكي للروحانية المارونية، وكأن الاسم ذاته يختزن عبورًا من الجغرافيا إلى عمق الذات.
مع مرور الزمن، لم تعد الرهبنة عند مار شربل مجرد انتماء، بل تحولت إلى تجربة وجودية قاسية. ففي سنة 1875، اختار أن يعيش ناسكًا في محبسة تابعة لدير مار مارون في عنايا، مبتعدًا عن الجماعة البشرية ليقترب من المطلق. قضى هناك ثلاثة وعشرين عامًا في صلاة وصمت وزهد حتى وفاته في الرابع والعشرين من كانون الأول سنة 1898. هذه الليلة تحولت لاحقًا إلى نقطة مفصلية في تشكل حضوره الروحي، حيث بدأت الروايات تنتشر عن نور يخرج من قبره، وعن جسد لم يتحلل، وعن سائل ظل يرشح منه لسنوات طويلة، فصار قبره موقعًا للحج والرجاء.
دُفن القديس شربل بداية في مقبرة دير مار مارون في عنايا، الواقعة في منطقة جبيل في لبنان، ثم نُقل جسده لاحقًا إلى مزار خاص داخل الدير نفسه، حيث يُعرف اليوم باسم ضريح القديس شربل في عنايا. هذا المكان لا يزال حتى اليوم مقصدًا للزوار من مختلف أنحاء العالم، حيث تتكثف عنده الحكايات الشعبية عن الشفاء والمعجزات، وتتشابك الروايات عن ظهوره في الأحلام ولمسه للمرضى واستجابات الشفاعة التي ينسبها المؤمنون إليه في حالات مرضية مستعصية.
من الناحية الكنسية، بدأت مسيرته نحو الاعتراف الرسمي بعد عقود من وفاته. أُعلنت طوباويته سنة 1965 على يد بولس السادس، ثم أُعلن قديسًا بشكل رسمي سنة 1977 بعد تثبيت معجزات نُسبت إلى شفاعته. تظهر الطوباوية هنا كمرحلة انتقالية بين القداسة الشعبية والاعتراف المؤسسي، حيث تدرس الكنيسة سيرة الشخص وحياته النسكية ومعجزاته قبل إدراجه ضمن القديسين. غير أن حالة القديس شربل تكشف أن حضوره في وجدان الناس سبق الاعتراف الرسمي بسنوات طويلة، بل إن القرار الكنسي جاء ليكرس واقعًا روحيًا كان قد ترسخ بالفعل.
في هذا التداخل بين التاريخ والرواية الشعبية، تتجلى شخصية القديس شربل بوصفها بنية رمزية مركبة. فهو من جهة ابن قرية جبلية وُلد سنة 1828 وعاش تحولات القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني. ومن جهة أخرى، يحمل في اسمه وامتداد عائلته المحتمل صدى الجغرافيا السورية الأنطاكية. ومن جهة ثالثة، يتحول بعد وفاته سنة 1898 إلى حضور شفاعي عالمي يستمر حتى بعد إعلان قداسته سنة 1977، ليصبح رمزًا للشفاء والرجاء تتجاوز قصصه حدود الطوائف والبلدان.
يشعر الكاتب شخصيًا برهبة عميقة وخشوع صادق أمام عظمة هذا القديس، حتى يكاد الإحساس يتجاوز حدود التأمل إلى حالة حضور داخلي كثيف، كأن المرء يقف أمام أحد أولياء الله الأطهار. يتسلل هذا الشعور دون استئذان ويستقر في الداخل بوصفه يقينًا لا يحتاج إلى برهان. ورغم أن لهذا الإحساس تفسيرًا نفسيًا عميقًا أو جذورًا وجدانية بعيدة، إلا أنه لا يمكن إنكار صدقه ولا تأثيره، إذ يشعر الكاتب أن كل ما يقال عن شفاعته وحضوره الروحي ليس مجرد روايات متداولة، بل تجربة شعورية حية تتجدد في داخله.
مع هذا الانجذاب الروحي، وجد الكاتب نفسه مدفوعًا إلى تخليد هذه الحالة عبر الفن. فكانت اللوحة بالنسبة له ليست مجرد عمل تشكيلي، بل فعل إيمان وترجمة بصرية للخشوع والمحبة. وقد رسم القديس شربل أكثر من مرة وفي مناسبات مختلفة، كأنه يعود في كل مرة لاكتشاف وجه جديد من حضوره. وفي اللوحة المرافقة لهذا المقال، والتي أنجزها بين عامي 2024 و2025، حاول أن يقبض على لحظة الصمت النوراني التي يشعر بها تجاهه، فجاءت كتعبير صادق عن تجربة شخصية تتجاوز الرسم إلى ما يشبه الصلاة الصامتة المرسومة بالألوان.
يستند هذا المقال إلى مجموعة من المصادر الكنسية والتاريخية المعتمدة، من أبرزها كتاب Saint Charbel Makhlouf His Life and Miracles للأب بطرس ضو، ووثائق الفاتيكان المتعلقة بإعلان الطوباوية سنة 1965 والقداسة سنة 1977، إضافة إلى سجلات دير مار مارون عنايا حول المعجزات. كما تم الاستناد إلى مراجع تاريخية مثل A History of the Arab Peoples لألبرت حوراني وThe Modern Middle East لويليام كليفلاند لفهم السياق العثماني والهجرات في بلاد الشام، وبعض القصص التي تقع ضمن الذاكرة الشعبية ولا تستند إلى توثيق تاريخي قاطع. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة