«الحي الروسي»: خليل الرز ينسج حكايات العزلة والقلق في دمشق زمن الحرب


هذا الخبر بعنوان "“الحي الروسي”.. حكاية غرائبية في دمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في روايته «الحي الروسي»، يقدم الروائي السوري خليل الرز حيًا متخيلًا على أطراف دمشق، ليجعله مسرحًا لأحداث لا تصف ضجيج المعارك، بل تتغلغل في الآثار النفسية والاجتماعية العميقة للحرب على تفاصيل الحياة اليومية. لا تركز الرواية على الجبهات العسكرية، بل تتجه نحو تصوير حياة البشر الهامشيين، حيث تتحول العزلة إلى قصة، ويصبح الناس مرايا تعكس قلقًا وجوديًا عميقًا من مصير مجهول. من خلال هذا الحي، يفتح الكاتب نافذة على مجتمع صغير يعيش في عالم مغلق، لكنه يحمل في طياته صورة بلد كامل يتغير تحت وطأة الصراع.
تتمحور الأحداث حول شخصية مترجم يعيش داخل حديقة الحيوانات في «الحي الروسي»، وهو الراوي الذي يقود القارئ عبر شبكة من الشخصيات التي تبدو هامشية للوهلة الأولى، لكنها تشكل معًا نسيج الرواية المعقد. من أبرز هذه الشخصيات يظهر فيكتور إيفانيتش، الصحفي الروسي السابق ومدير حديقة الحيوانات، الذي يعيش في عزلة ويحمل ذاكرة طويلة عن المكان. إلى جانبه، نجد «أبو علي سليمان»، أستاذ اللغة الفرنسية الذي يدير محلًا للألبسة، وغيرهما من الشخصيات التي ترسم لوحة للحياة الشعبية. كما يبرز أركادي كوزميتش، الكاتب الروسي المغمور، ونونا، الفتاة التي تنسج الصوف وترافق الراوي في عزلته. لا تتحرك هذه الشخصيات ضمن خط سردي تقليدي، بل تتجاور حكاياتها داخل الحي، لتخلق عالمًا من العلاقات المتأثرة بالحرب دون الانخراط فيها بشكل مباشر.
العالم الروائي في «الحي الروسي»، والذي يمكن وصفه بـ«العجائبية الواقعية»، لا يقتصر على البشر وحدهم، فالكائنات الحيوانية تدخل كجزء أساسي من البناء السردي. من الزرافة في الحديقة إلى الكلاب والعصافير المنسوجة من الصوف، تتشابك هذه العناصر في مشهد غرائبي يمزج الواقع بالخيال. يمنح هذا المزج الرواية طابعًا رمزيًا، حيث يتحول المكان إلى مساحة تتداخل فيها الحكايات الإنسانية مع صور عجائبية تعكس القلق والضياع. يبدو الحي بذلك وكأنه خارج الزمن، لكن أخبار الحرب تتسلل إليه عبر الشائعات والذكريات والانقطاعات المتكررة.
في مسار الأحداث، يبرز الحي نفسه كشخصية مركزية، إذ يحاول سكانه البقاء بمنأى عن الحرب، وكأنهم يراهنون على قوة الحكاية بدلًا من السلاح. تتحول القصص التي يرويها السكان إلى وسيلة لمواجهة الواقع القاسي، بينما يتغير العالم من حولهم. تصبح العزلة التي يعيشها المترجم في حديقة الحيوانات صورة رمزية لعزلة الإنسان في زمن الحرب، حيث تتراجع العلاقات وتضعف الثقة، ويصبح التواصل الإنساني محاولة دائمة للحفاظ على ما تبقى من المعنى. من خلال هذه التفاصيل، يقدم خليل الرز رؤية مغايرة للحرب، ترتكز على التحولات النفسية والاجتماعية أكثر من الأحداث العسكرية، تاركًا المجال مفتوحًا لقراءة الرموز والدلالات في الشخصيات، الحي، والحيوانات، مما يحتمل قراءات متعددة بين الواقع والخيال، وبين الحكاية والتأمل في مصير الإنسان.
خليل الرز هو روائي ومترجم سوري، ولد في مدينة الرقة عام 1956. انتقل لاحقًا إلى حلب لإكمال دراسته الجامعية، حيث حصل على إجازة في اللغة العربية من جامعة حلب عام 1980. في عام 1993، سافر إلى روسيا لدراسة المسرح، ليجمع في مساره المهني بين الترجمة والكتابة الروائية. رُشحت روايته «الحي الروسي» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2020.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة