مجزرة دوما الكيماوية: ثماني سنوات من التوثيق السينمائي لتبقى الذاكرة حية


هذا الخبر بعنوان "مجزرة الكيماوي في دوما بعدسة الوثائقي… ثماني سنوات والذاكرة تقاوم الاختناق" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مرّت ثماني سنوات على الأمسية المأساوية في مدينة دوما، لكن ذكراها لا تزال حية وصورها راسخة في الأذهان. وجوه تبحث عن الهواء، وأيدٍ تمتد بلا جدوى، وصمت ثقيل خيّم بعد صرخات لم تكتمل. في 7 نيسان 2018، لم تكن تلك الحادثة مجرد مجزرة عابرة، بل كانت لحظة انكسار إنساني عميق دفعت الكاميرا لتتحول إلى شاهد لا يكتفي بالتوثيق، بل يقاوم النسيان. ومع مرور الزمن، لم تتلاشَ هذه الصور المؤلمة، بل عادت لتظهر بقوة في أفلام وثائقية سعت لإعادة سرد الحكاية ومنح الضحايا صوتاً، وإن جاء متأخراً.
الكاميرا تتحول إلى ذاكرة حية
لم يكن وجود الكاميرا في دوما مجرد توثيق لحظي، بل كان محاولة لفهم عمق المأساة. ومع مرور الوقت، تطور هذا التوثيق إلى أعمال وثائقية أعادت بناء الحدث من زوايا مختلفة، شملت التحقيق الاستقصائي، والسرد الإنساني، والتوثيق القانوني. هذا الجهد الوثائقي أبقى مجزرة دوما حاضرة على الشاشة، تماماً كما كانت في الواقع: مؤلمة ومثيرة للتساؤلات.
مجزرة الكيماوي: بوابة للتهجير القسري
فيلم “التهجير السام”، الذي عرضته شبكة الجزيرة الإعلامية ضمن برنامج ما خفي أعظم عام 2019، لم يقدم المجزرة كنهاية للمأساة، بل كبداية لمسار جديد. يتتبع الفيلم، الذي أعدّه وقدمه الصحفي تامر المسحال، الرابط بين الهجوم الكيماوي وعمليات التهجير التي تلته. استند الفيلم إلى شهادات ميدانية ووثائق وتحقيقات ليكشف كيف تحول الاختناق إلى نقطة تحول أجبرت السكان على الخروج القسري، مقدماً قراءة تربط بين الحدث الإنساني وتداعياته السياسية.
الشهادة تتحول إلى دليل قانوني
في سلسلة “العدالة المنتظرة” (الجزآن الأول والثاني)، التي أنتجها تلفزيون حلب اليوم بالتعاون مع مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا عام 2020 وأخرجتها ريتا إسحاق، وبدعم من منصات إعلامية سورية مستقلة ومنظمات حقوقية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومنظمة أرشيف سوريا، يتغير التركيز. هنا، تُقدم الشهادات كأدلة دامغة وليست مجرد روايات، ويصبح صوت الناجي وثيقة، وصورة المكان جزءاً لا يتجزأ من ملف مفتوح للعدالة. يهدف هذا العمل إلى ترسيخ تفاصيل المجزرة ضمن سياق قانوني، محولاً الذاكرة إلى مادة يمكن الاعتماد عليها للمحاسبة.
فيلم “سوريون يبحثون عن العدالة”، الذي أُنتج عام 2019 وأخرجته الصحفية دانا البوز، بالتعاون بين جهات إعلامية مستقلة ومنظمات حقوقية مثل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، يوسع نطاق التركيز ليشمل الغوطة الشرقية بأكملها، مع بقاء دوما في قلب المشهد. يتتبع الفيلم آثار غاز الكلور، ليس فقط لحظة استخدامه، بل أيضاً نتائجه طويلة الأمد على حياة الناس. تتكرر التفاصيل وتتشابه الشهادات، ويظهر الألم وكأنه ينتقل من مكان لآخر، في سرد يربط بين الحالات الفردية وصورة شاملة لمأساة جماعية.
تفكيك الروايات واستعادة لحظة الاختناق
فيلم “هجوم دوما الكيماوي… القصة الكاملة”، الذي أنتجه الدفاع المدني السوري – الخوذ البيضاء عام 2023، يعيد بناء الحدث من خلال تحليل دقيق للصور والأرشيف والفيديوهات المنتشرة. لا يكتفي هذا العمل بسرد الوقائع، بل يتصدى للروايات المتضاربة، مفككاً إياها ومعيداً ترتيبها لتقديم رواية أكثر تماسكاً في خضم الضجيج الإعلامي. أما فيلم “مجزرة دوما… ليلة الكيماوي”، الذي أنتجه تلفزيون سوريا عام 2018، فيقترب من اللحظة ذاتها دون فاصل زمني، معتمداً على شهادات الناجين وعناصر من الدفاع المدني السوري، ومستفيداً من تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW). في جوهره، يترك الفيلم الصورة تتحدث: أصوات متقطعة، أنفاس مختنقة، ومحاولات إنقاذ يائسة تحت ضغط الوقت، ليعيد تجسيد تلك الليلة بكل فوضاها وخوفها وصراعها من أجل البقاء.
من الشاشة إلى ضمير الإنسان
لم تقتصر هذه الأعمال الوثائقية على حدود العرض المحلي، بل وصلت إلى جمهور عالمي واسع، مثيرة نقاشات وتفاعلات مهمة، ومسهمة في نقل تفاصيل ما جرى خارج الحدود الجغرافية السورية. لقد تحولت هذه الوثائقيات إلى أداة لفهم الأحداث وجسر إنساني يربط بين المشاهدين والضحايا، في تجربة تتجاوز الحواجز اللغوية والسياسية. ورغم أن هذه الأفلام لم تغير مسار الأحداث على الأرض، إلا أنها لعبت دوراً حاسماً في ترسيخ الذاكرة وإبقاء القضية حية في الوعي العام، حتى لو كان ذلك من خلال قوة الصورة.
ذاكرة لا تختنق
بعد ثماني سنوات، لا تزال مجزرة الكيماوي في دوما حاضرة بقوة، ليس فقط في التقارير والأرقام، بل في صور لم تهدأ وأفلام وثائقية تعيد عرضها وكأنها تحدث الآن. لقد حفظت الكاميرا جزءاً من الحقيقة، لكنها لم تنجح في إغلاق الجرح العميق الذي خلفته هذه المأساة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة