زيارة زيلينسكي التاريخية إلى دمشق: تحول في العلاقات السورية-الأوكرانية وتقاطع مصالح جيوسياسية


هذا الخبر بعنوان "زيارة زيلينسكي إلى دمشق.. تقاطع مصالح وضغوط جيوسياسية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مثّلت الزيارة التي قام بها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق نقطة تحول حاسمة في مسار العلاقات السورية-الأوكرانية، حيث جاءت تتويجًا لسلسلة من التحركات الدبلوماسية المتسارعة التي تلت سقوط النظام السابق، ممهدةً الطريق لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية المرتبطة بالملف السوري. وفي سياق المباحثات، صرّح الرئيس الشرع بأن هذه الزيارة "تؤكد عزم سوريا على توسيع نطاق علاقاتها الدولية بما يعزز التنمية والاستقرار"، موضحًا أن النقاشات تركزت على سبل تعزيز التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات. من جانبه، أكد زيلينسكي أن الطرفين توصلا إلى اتفاق "للعمل المشترك من أجل دعم الأمن وخلق فرص للتنمية"، مشيرًا إلى اهتمام متبادل بتبادل الخبرات، لا سيما في القطاعين الأمني والعسكري. وأضاف أن المباحثات "تطرقت إلى قضايا متنوعة، بدءًا من الأمن والدفاع وصولًا إلى الطاقة والبنية التحتية"، مؤكدًا استعداد بلاده لدعم جهود الاستقرار وتعزيز التعاون مع سوريا في المرحلة القادمة.
وفي تحليل لهذا التحرك الذي يتجاوز التعاون الثنائي ليشمل مصالح إقليمية، يرى الباحث في مركز جسور، عبد الوهاب عاصي، أن انفتاح كييف على دمشق يندرج ضمن سياق أوسع يهدف إلى ممارسة الضغط على روسيا في مناطق نفوذها التقليدية بالشرق الأوسط. ويوضح عاصي أن أوكرانيا تسعى، من خلال هذا الانخراط، لإثبات قدرتها على التحرك بفاعلية في ساحات كانت تُعتبر حكرًا على موسكو، وفي الوقت ذاته تقدم نفسها كبديل عملي في مجالات الصيانة العسكرية والتدريب وتحديث الأنظمة التقنية. ويلفت عاصي إلى أن هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل الخيارات المحدودة المتاحة أمام دمشق، مشيرًا إلى أن التقنيات الأوكرانية، مثل الطائرات المسيّرة وأجهزة التشويش وأنظمة الحرب الإلكترونية، يمكن أن توفر حلولًا عملية لتلبية جزء من الاحتياجات الدفاعية السورية، خصوصًا مع تراجع الدعم الروسي وتزايد صعوبة الحصول على تسليح غربي.
من جانبه، يضع الباحث في العلاقات الدولية، فراس بورزان، هذه الزيارة ضمن إطار أهداف أكثر تحديدًا، معتبرًا أنها تأتي في سياق مساعي أوكرانيا لتطويق النفوذ الروسي من خلال حث دمشق على تقليص الوجود العسكري لموسكو، وخاصة القواعد المنتشرة في سوريا. ويرى بورزان أيضًا أن كييف تسعى لفتح مسار اقتصادي موازٍ عبر دمج سوريا في مبادرة الحبوب الأوكرانية، مما يعزز مكانتها كشريك محتمل ومنافس لروسيا في هذا القطاع. يضاف إلى ذلك سعي أوكرانيا لتحقيق مكسب دبلوماسي يتمثل في مراجعة الموقف السوري من ضم شبه جزيرة القرم.
وفي هذا السياق، يتوافق تحليل بورزان مع رؤية عاصي بشأن الأدوات التي تمتلكها أوكرانيا، حيث يؤكد أن كييف قادرة على توفير دعم ملموس لتطوير القدرات العسكرية السورية، مستفيدة من خبرتها في التعامل مع الأسلحة السوفيتية والروسية، بالإضافة إلى تقدمها في مجال الطائرات المسيّرة، جوية كانت أم بحرية. ومع ذلك، يتفق الباحثان على أن هذه العلاقة، رغم تقاربها المتسارع، تظل محكومة بسقف سياسي واضح، فمن غير المرجح أن تمضي دمشق بعيدًا في استعداء موسكو. ويرى بورزان في هذا الإطار أن سوريا قد تسعى لاستغلال هذه العلاقة كورقة توازن في مفاوضاتها مع روسيا، دون الانجراف نحو قطيعة تامة، مما يعكس محاولة للحفاظ على هامش مناورة في بيئة إقليمية معقدة. وتشير المعطيات أيضًا إلى وجود دور إقليمي في دفع هذا المسار، حيث تُعتبر التحركات التركية عاملًا مساهمًا في تشجيع هذا التقارب، ضمن مسعى أوسع لإعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة.
تاريخيًا، تعود العلاقات بين أوكرانيا وسوريا إلى عام 1992، وقد اتسمت بطابع دبلوماسي محدود لم يصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. ومع اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، شهدت العلاقات فتورًا تدريجيًا، لتصل إلى القطيعة التامة في عام 2022 على خلفية الحرب الروسية-الأوكرانية. بدأت ملامح التحول بعد سقوط نظام الأسد، حيث أوفدت كييف وزير خارجيتها إلى دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد أيام قليلة من التغيير السياسي، في خطوة عكست رغبة مبكرة في إعادة فتح قنوات التواصل. وتزامن ذلك مع تحركات عملية، منها تقديم شحنات من القمح إلى سوريا ضمن إطار التعاون الغذائي. كما شهد عام 2025 لقاءً بين الرئيس أحمد الشرع ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وهو ما يمثل أول تواصل سياسي مباشر بين الطرفين، ومهد لاستئناف العلاقات وتطورها لاحقًا على مستويات متعددة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة