بعد حراك التضامن مع فلسطين: هل يواجه فلسطينيو سوريا حملة شيطنة تهدد السلم الأهلي؟


هذا الخبر بعنوان "بين التضامن والاتهام: فلسطينيو سوريا في مرمى الشيطنة وخطر تفكيك النسيج المجتمعي" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، برزت القضية الفلسطينية مجدداً بقوة في الشارع العربي، ليس فقط كملف سياسي، بل كقضية وجدانية عميقة الجذور في الوعي الجمعي. وفي هذا الإطار، شهدت ساحات وشوارع الجمهورية العربية السورية خلال الأيام الماضية حراكاً شعبياً ملحوظاً، جاء استجابةً لقانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، وهي خطوة أثارت غضباً واستنكاراً واسعين. لم يكن هذا الحراك بمعزل عن الموقف التاريخي للسوريين من القضية الفلسطينية، بل شكل امتداداً طبيعياً له.
إلا أن هذا المشهد التضامني سرعان ما تداخل مع تطورات مقلقة، أبرزها حادثة الاعتداء على السفارة الإماراتية في دمشق. وقد رافق ذلك تصاعد في خطاب الاتهام والتعميم، الذي استهدف فئة محددة هي فلسطينيو سوريا.
يُعد التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية حقاً مشروعاً وواجباً أخلاقياً وإنسانياً، طالما مورس ضمن الأطر السلمية والقانونية. ومن غير المقبول اختزال هذا الحراك أو التعامل معه كمصدر تهديد أو شبهة. بل إن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذه التحركات، رغم عدم وجود دعوة رسمية لها، جرت في كثير من الأحيان تحت أنظار الأجهزة المعنية وبحضورها، مما يعكس درجة من التسامح أو على الأقل عدم التصادم المباشر. وهذا يفتح المجال أمام قراءة أوسع تتعلق بإشارات سياسية محسوبة في ظل تحولات إقليمية معقدة، بعيداً عن التفسيرات التبسيطية أو نظريات المؤامرة الجاهزة.
في المقابل، لا يمكن تبرير أو قبول أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية، لما يمثله ذلك من مساس بهيبة الدولة وانتهاك صريح للقانون. ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه الحوادث ضمن إطارها الطبيعي كتصرفات فردية، لا يجوز تعميمها أو تحميلها دلالات تتجاوز حجمها الحقيقي. فكل حراك شعبي، مهما بلغ تنظيمه، يبقى عرضة لانفلاتات جزئية لا يمكن السيطرة عليها بالكامل. وتكمن الخطورة في تحويل هذه التجاوزات إلى ذريعة لبناء سرديات اتهامية شاملة، أو ربطها بأجندات خارجية دون تقديم أدلة واضحة.
وهنا تحديداً يبرز الخلل الأكبر: محاولات التعميم وتحميل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مسؤولية جماعية عن أحداث معزولة. هذا الطرح لا يستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي، بل يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة، ويهدد بشكل مباشر السلم الأهلي. فالفلسطينيون في سوريا لم يكونوا يوماً كياناً منفصلاً عن محيطهم، بل شكلوا على مدى عقود جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي السوري، تقاسموا معه الأفراح والمآسي، وقدموا تضحيات لا يمكن إنكارها. وبالتالي، فإن تصويرهم كجسم غريب أو كخطر محتمل، يفتح الباب أمام ممارسات تمييزية خطيرة، ويغذي انقسامات لا تخدم أحداً.
يبقى السؤال الأهم: من المستفيد من شيطنة الفلسطيني السوري في هذا التوقيت تحديداً؟ إن توجيه الاتهامات وتحميل هذه الفئة ما لا تحتمل، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقات أوسع، قد تتقاطع فيها مصالح جهات تسعى إلى ضرب العلاقة التاريخية بين السوريين والفلسطينيين، أو إلى خلق حالة من الاحتقان الداخلي. فإضعاف هذا النسيج الاجتماعي، وإشاعة الشكوك بين مكوناته، هو المدخل الأسهل لأي مشروع يسعى إلى زعزعة الاستقرار أو إعادة إنتاج الأزمات.
ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على حقيقة بديهية: الفلسطينيون اللاجئون في سوريا هم جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري، ولا يجوز التعامل معهم كملف أمني أو عبء طارئ. بل إن مسؤولية الدولة والمجتمع تقتضي العمل الجاد على معالجة قضاياهم العالقة، التي طال أمدها دون حلول حقيقية.
فملفات مثل التملك العقاري، ووضع الإقامات للاجئين ما بعد عام 1956، وإعادة إعمار المخيمات المدمرة، لا تزال مفتوحة، وتشكل عبئاً يومياً على هذه الفئة. يضاف إلى ذلك التدهور المعيشي الحاد، الذي تفاقم مع الأزمة المالية التي تعانيها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والتي لم تعد قادرة على تقديم الحد الأدنى من خدماتها، في ظل غياب بدائل واضحة.
إن تجاهل هذه القضايا، أو تأجيل معالجتها، لا يؤدي فقط إلى تعميق معاناة الفلسطينيين في سوريا، بل يخلق أيضاً شعوراً متزايداً بالعزلة والتهميش، قد تستغله جهات مشبوهة لمحاولة دق إسفين بين هذه الفئة ومحيطها. وهو ما يجعل من المعالجة الشاملة، التي تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، ضرورة ملحة، لا ترفاً سياسياً.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية الشفافية في التعامل مع الأحداث الأخيرة، من خلال تحقيقات واضحة وصريحة، تكشف ملابسات ما جرى للرأي العام، وتضع حداً لسيل الشائعات والتكهنات. فغياب المعلومة الدقيقة يفتح المجال واسعاً أمام التأويلات، التي قد تتحول إلى أدوات للتحريض أو التشويه. كما أن من الضروري التوقف عن الترويج لخطاب يربط بين دعم القضية الفلسطينية وتهديد استقرار سوريا، وهي معادلة زائفة لا تصمد أمام أي تحليل موضوعي.
إن إعادة تصدير ملف فلسطينيي سوريا بوصفه ملفاً أمنياً بحتاً، يعالج حصراً عبر المقاربة الأمنية، يمثل عودة إلى أساليب انتهجها النظام البائد وثبت فشلها في الماضي. فاختزال هذه الفئة في بعدها الأمني، والتعامل معها كـ"ورقة" يجب ضبطها أو احتواؤها، يعيد إنتاج نفس النهج الذي ساهم في تعقيد المشهد بدل حله.
ربما هناك من يغذي هذا التوجه لمآرب شخصية أو على الأقل لضيق أفق وعدم تقدير مآلات الأمور، ولعل الجهات المعنية ومع تزاحم وتراكم المشكلات تستسهل الحلول الأمنية. مع أن البديل المنطقي هو مقاربة مدنية شاملة، تضع الفلسطيني في موقعه الطبيعي كمواطن مقيم له حقوق وعليه واجبات، ضمن إطار القانون، وتمنح المؤسسات المدنية الدور الذي تستحقه في إدارة هذا الملف.
إن العدالة، والمسؤولية، والسلم الأهلي، وحماية الدولة والمجتمع، ليست شعارات تُرفع في الخطابات، بل مبادئ يجب أن تنعكس في السياسات والممارسات. والفلسطيني السوري، كما كان دائماً، ليس خارج هذه المعادلة، بل في قلبها. فالدفاع عنه هو في جوهره دفاع عن تماسك المجتمع السوري نفسه، وعن قدرته على مواجهة التحديات دون أن ينكسر من الداخل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة