ملف المعتقلين في سوريا: جرح وطني غائر يتجاوز المبادرات الفردية ويختبر جدية العدالة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "ملف المعتقلين في سوريا… جرح مفتوح يتجاوز قدرة المبادرات ويختبر جدية العدالة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وحده من عاش تجربة الاعتقال يدرك فداحة الرعب وعمق الندوب النفسية التي تخلّفها المعتقلات. بهذه الكلمات، يلخص بسام أبو بكر، وهو معتقل سابق من أهالي جوبر في دمشق، جزءاً من معاناة آلاف الناجين الذين خرجوا من السجون بذاكرة مثقلة بالألم وجروح لا تزال مفتوحة. قصة الشاب محمد علي، المعتقل السابق في سجن صيدنايا، الذي لم يتمكن من تحمل الأعباء النفسية بعد إطلاق سراحه وفارق الحياة، ليست حادثة فردية. بل هي نموذج مأساوي يتكرر بصمت في ظل غياب استجابة حقيقية لحجم الكارثة. فملف المعتقلين في سوريا، منذ لحظة التحرير وحتى يومنا هذا، يتأرجح بين المبادرات المحدودة وغياب المعالجة الشاملة، رغم كونه أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة في المشهد السوري.
يتوزع هذا الملف المعقد على ثلاث فئات رئيسية: الناجون الذين أُطلق سراحهم قبل فترة "التحرير"، والمحررون خلالها، بالإضافة إلى آلاف المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً. تتراكم بين هذه الفئات معاناة مركبة لا يمكن التعامل معها كحالات فردية، بل يجب اعتبارها قضية وطنية شاملة تتطلب إدارة على مستوى الدولة، وليس مجرد مبادرات جزئية أو جهود متفرقة، بحسب ما يؤكده أبو بكر.
على الرغم من جهود بعض الجمعيات والمنظمات الإنسانية للتعامل مع هذا الملف، فإن حجم التحدي يفوق قدراتها. هذا يستدعي ضرورة معالجته ضمن سياسات عامة وواضحة، يقودها مختصون يمتلكون أدوات التأثير داخل مؤسسات الدولة، وذلك عبر مسارات متوازية. في طليعة هذه المسارات، تبرز الحاجة الملحة لمتابعة أوضاع الناجين صحياً ونفسياً واجتماعياً. فهؤلاء لم يغادروا المعتقلات كما دخلوها، بل خرجوا مثقلين بآثار التعذيب والانتهاكات، مما يجعل حقهم في العلاج وإعادة التأهيل والاندماج المجتمعي ضرورة قصوى، وليست خياراً ثانوياً. كما أن تمكين القادرين منهم من العودة إلى الحياة العامة يمثل خطوة جوهرية لاستعادة دورهم كأفراد فاعلين في المجتمع. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية توثيق شهادات الناجين توثيقاً قانونياً ومهنياً، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية، وضمانة لعدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً، فضلاً عن كونها أدلة أساسية في أي مسار قضائي محتمل.
أما المسار الثاني فيتمثل في ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم، إذ إن أي حديث عن العدالة أو السلام يظل ناقصاً دون تحقيق المساءلة. إن محاسبة كل من تورط في هذه الجرائم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تشكل حجر الزاوية لإعادة الثقة بالقانون وترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية.
ويتعلق المسار الثالث بعائلات المعتقلين والمفقودين، التي لا تزال تعيش حالة من الانتظار والقلق المرير، دون معرفة مصير أبنائها. هذه العائلات، التي تحملت أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية، تحتاج إلى دعم متكامل وجهود حقيقية لكشف مصير المفقودين، فمعرفة الحقيقة تمثل الحد الأدنى من حقوقها.
في هذا السياق، يؤكد المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، في حديثه لـ”سوريا 24”، أن معاناة الناجين وأسرهم لا يمكن اعتبارها قضية عابرة. بل هي مسألة تمس جوهر العدالة والكرامة الإنسانية. ويوضح الكيلاني أن التزامات الرعاية الصحية، وخاصة النفسية، بالإضافة إلى إعادة التأهيل والاندماج، هي حقوق مكفولة بموجب المعايير الدولية، ولا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تنص صراحة على حق الضحايا في جبر الضرر والتعافي الكامل.
ويضيف الكيلاني أن هذه الحقوق لا تقتصر على الناجين فحسب، بل تمتد لتشمل ذويهم الذين عانوا من الفقد والانتظار، وما يزال الكثير منهم يواجه آثاراً نفسية واجتماعية عميقة. هذا يستدعي إشراكهم في أي مسار للعدالة وعدم تهميشهم. ويشدد على أن إطلاق مسار فعلي للعدالة الانتقالية أصبح ضرورة ملحة، وليس ترفاً سياسياً، موضحاً أن هذا المسار لا يقتصر على المحاسبة فحسب، بل يشمل أيضاً كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وإعادة الاعتبار للضحايا. كما أن إشراك المتضررين في هذا المسار يعزز فرص نجاحه ويساهم في استعادة الثقة المجتمعية.
في المقابل، يحذر الكيلاني من أن التأخر في تبني سياسات جدية للدعم والرعاية، وغياب خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، يمثل تقصيراً واضحاً تتحمله الجهات المعنية. وعلى رأس هذه الجهات تأتي الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي يفترض بها أن تقود هذا الملف وتحوله من إطار الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ملف المعتقلين في سوريا على أنه مجرد قضية إنسانية مؤجلة، بل هو اختبار حقيقي لجدية أي مرحلة انتقالية مقبلة. فإما أن يُدار هذا الملف على أساس الاعتراف بالحقائق والمعالجة الشاملة وتحقيق العدالة، أو سيبقى جرحاً مفتوحاً يواصل النزف في ذاكرة السوريين. لم يخرج هؤلاء الناجون من السجون وحدهم، بل خرجت معهم حكايات تختزن من الألم ما يكفي لزلزلة الضمير الإنساني. وبين ذاكرة التعذيب وواقع الإهمال، يقف الناجون اليوم على هامش الاهتمام، في وقت يفترض أن يكونوا في صلب أولويات المرحلة. إن ترك هذا الملف دون معالجة جادة لا يعني فقط استمرار معاناة الضحايا، بل يهدد بإعادة إنتاج الألم ذاته في المستقبل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة