الحسكة تشهد ركوداً تجارياً حاداً: تقلبات الليرة وصراع السيطرة والأزمة الإقليمية تخنق الأسواق


هذا الخبر بعنوان "عوامل متداخلة تضغط على الحركة التجارية في الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق مدينة الحسكة، الواقعة في شمال شرقي سوريا، حالة من الركود التجاري الملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، حيث تراجع إقبال المستهلكين على الشراء بشكل كبير، وتزايدت شكاوى التجار من ضعف الحركة التجارية. ويعزو عاملون في السوق والمواطنون هذا التدهور إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، أبرزها التقلبات الحادة في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وتوزع مناطق السيطرة بين المدينة وريفها، بالإضافة إلى تداعيات الأزمة الإقليمية التي أثرت سلباً على سلاسل الإمداد والتجارة. وقد أظهرت جولة ميدانية أجرتها عنب بلدي في السوق المركزي للمدينة، أن المحال التجارية بدت أقل ازدحاماً بكثير مقارنة بالفترات السابقة، مع تراجع واضح في حركة البيع، خصوصاً في محال المواد الغذائية والألبسة التي عادة ما تشهد نشاطاً مستمراً.
تقلبات سعر الصرف تربك المشهد التجاري
وفي هذا السياق، أوضح أحمد الحسن، صاحب محل لبيع المواد الغذائية في وسط مدينة الحسكة، في حديثه لعنب بلدي، أن التغيرات الأخيرة في سعر صرف الليرة السورية انعكست بشكل مباشر على الأسعار، مما أدى إلى حالة من التردد وعدم اليقين لدى الزبائن. وأضاف الحسن: "عندما يرتفع سعر الليرة أمام الدولار، من المفترض أن تنخفض الأسعار، لكن ما يحدث فعلياً هو العكس في كثير من الأحيان، وذلك بسبب عدم استقرار السوق وتخوّف التجار من الخسارة، ما يدفعهم إلى تثبيت الأسعار أو حتى رفعها بشكل احترازي". وأشار إلى أن "الموردين أنفسهم لا يلتزمون بتسعيرة واضحة، بل يبيعون وفق توقعاتهم للسوق، وهذا ينعكس سلباً على التاجر الصغير الذي يجد نفسه مضطراً لتحميل الفارق على المستهلك النهائي".
من جهته، أكد محمد العلي، صاحب محل ألبسة في سوق المدينة، لعنب بلدي، أن الركود الحالي يُعد الأسوأ منذ بداية العام، مشيراً إلى أن "الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون الشراء، وغالباً ما يغادرون بعد المقارنة". وأضاف العلي: "الناس أصبحوا يخشون من إنفاق المال في ظل عدم وضوح الوضع الاقتصادي، خاصة أن الأسعار تتغير بسرعة، والدخل لا يواكب هذه التغيرات".
شهدت أسعار صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي تقلبات حادة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث سجلت ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى نحو 12800 ليرة للدولار الواحد، بعد أن كانت دون حاجز 12 ألف ليرة. ثم عادت للانخفاض مع افتتاح تداولات يوم الأربعاء، 8 من نيسان، مدفوعة بإعلان هدنة بين الولايات المتحدة وإيران. وخلال فترة الارتفاع هذه، سارع تجار الجملة في أسواق الحسكة إلى رفع أسعار المواد، مما انعكس مباشرة على أسعارها لدى تجار المفرّق، وبالتالي على المستهلك النهائي. في المقابل، لم تشهد الأسعار أي انخفاض يُذكر مع تراجع سعر الصرف، وهو ما أثار استياءً واسعاً لدى المستهلكين، إلى جانب تذمر عدد من تجار المفرّق الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين ارتفاع تكلفة الشراء وضغط الزبائن.
تدهور القدرة الشرائية للسكان
يعكس تراجع الإقبال في الأسواق حالة أوسع من انخفاض القدرة الشرائية لدى السكان، وهو ما أكده عدد من المواطنين. فقد صرح حسين الخلف، وهو موظف حكومي من سكان المدينة، بأنه أصبح يشتري فقط الاحتياجات الأساسية، متجنباً أي مصاريف إضافية، موضحاً أن "الراتب لم يعد يكفي لأكثر من نصف الشهر، والأسعار في ارتفاع مستمر، حتى مع تحسن سعر الصرف". وأضاف الخلف: "كنا نأمل أن يؤدي تحسن الليرة خلال الساعات الأخيرة إلى انخفاض الأسعار، لكن ما حدث هو العكس، وهذا جعلنا نفقد الثقة في السوق".
في السياق نفسه، ذكرت وضحة قدور، من سكان الحسكة، أنها خفّضت مشترياتها إلى الحد الأدنى، مضيفة أن "الأسعار غير مستقرة، وكل يوم هناك تسعيرة جديدة، وهذا يربكنا كعائلات". وبحسب وضحة، فإن ارتفاع الأسعار شمل حتى المواد الأساسية مثل السكر والزيت، و"لم نعد قادرين على تخزينها كما في السابق".
توزع مناطق السيطرة يعمق التعقيد
إلى جانب العوامل الاقتصادية، يلعب الواقع الأمني والجغرافي دوراً مهماً في التأثير على حركة الأسواق، إذ تخضع مدينة الحسكة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، في حين يسيطر الجيش السوري على أجزاء من الريف المحيط، مما يخلق حالة من الانقسام تؤثر على تنقل السكان. وقال أحد أصحاب المحال (تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية)، إن "جزءاً كبيراً من الزبائن كانوا يأتون من الريف، لكن في الفترة الأخيرة تراجع حضورهم بشكل واضح، بسبب مخاوف أمنية". وأوضح أن "الكثير من سكان الريف يتجنبون الدخول إلى المدينة خوفاً من التعرض لمساءلات أو ملاحقات، خاصة مع اختلاف الجهات المسيطرة، وهذا أثر بشكل مباشر على حجم المبيعات".
من جهته، أشار عبد الكريم ع.، أحد الزبائن القادمين من ريف الحسكة، إلى أنه بات يتردد كثيراً قبل التوجه إلى المدينة، موضحاً أن "الوضع الأمني غير مريح، وهذا يجعلنا نفكر مرتين قبل النزول للتسوق". وأضاف: "نحاول الاعتماد على المحال في القرى، رغم أن أسعارها أعلى أحياناً، لكننا نتجنب المخاطر".
اضطراب سلاسل الإمداد بسبب الأزمة الإقليمية
يرى الخبير الاقتصادي سامر العلي، أن ما يحدث في أسواق الحسكة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، مشيراً إلى أن التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، لا سيما الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، كان لها تأثير غير مباشر على الأسواق المحلية. وأوضح أن "هذه التطورات أدت إلى اضطراب في طرق التجارة، ما تسبب في تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف النقل". وأضاف أن "ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب المخاطر الأمنية، انعكس على أسعار السلع في الأسواق السورية، بما فيها الحسكة". وأشار إلى أن "التجار يلجؤون في مثل هذه الظروف إلى رفع الأسعار كإجراء احترازي، تحسباً لأي انقطاع في الإمدادات أو ارتفاع إضافي في التكاليف".
تضافر العوامل يفاقم الأزمة
وبحسب الخبير الاقتصادي سامر العلي، فإن الأزمة الحالية هي نتيجة تداخل عدة عوامل، وليس سبباً واحداً فقط، موضحاً أن "اضطراب سعر صرف الليرة ينعكس سلباً على الأسعار بسبب غياب الاستقرار، ووجود توقعات متضاربة لدى التجار". وأضاف أن "الانقسام الجغرافي بين مناطق السيطرة يعوق حركة التجارة الداخلية، ويحد من تدفق الزبائن، خاصة من الريف إلى المدينة". وأكد أن "العامل الإقليمي زاد من تعقيد المشهد، حيث أدى إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، ما انعكس بدوره على الأسعار النهائية".
حلول غائبة وآفاق ضبابية
في ظل هذه المعطيات، تبدو الحلول محدودة، خاصة مع غياب تدخلات فعالة لضبط الأسعار أو دعم السوق. وقال التاجر خالد الدرويش، إن "الرقابة شبه غائبة، وكل تاجر يحدد سعره وفق تقديره، وهذا يخلق فوضى في السوق". وأضاف: "نحتاج إلى استقرار في سعر الصرف، وضبط في الأسعار، إضافة إلى تسهيل حركة التنقل بين الريف والمدينة".
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي سامر العلي أن "تحسن الوضع يتطلب معالجة شاملة، تشمل استقرار سعر الصرف، وتحسين بيئة التجارة، وتقليل القيود على التنقل". وأضاف أن "أي تحسن في أحد هذه العوامل دون الآخر لن يكون كافياً لإعادة النشاط إلى الأسواق".
في المحصلة، يعيش سوق الحسكة حالة من الترقب والحذر، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب، بينما يواصل السكان تقليص نفقاتهم، ويبحث التجار عن سبل للبقاء في سوق تتزايد فيه التحديات. ويبدو أن استمرار هذه الحالة مرهون بتطورات داخلية وإقليمية، قد تعيد رسم ملامح السوق، أو تعمّق أزمته، في وقت يترقب فيه الجميع انفراجة تعيد الحياة إلى الأسواق وتخفف الأعباء عن السكان.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سوريا محلي