الغموض البنّاء: كيف تُستخدم اللغة أداةً للقوة في إدارة الصراعات الدولية؟


هذا الخبر بعنوان "“الغموض البنّاء”: كيف تُدار الهيمنة داخل النصوص الدولية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير د. سلمان ريا إلى أن تحول الاتفاقات الدولية الأكثر حساسية إلى نصوص متعددة التأويل ليس مصادفة، بل هو تقنية دبلوماسية متقنة تُعرف بـ "الغموض البنّاء". هذه التقنية، التي قد تبدو للوهلة الأولى ضعفًا في الصياغة، تهدف في حقيقتها إلى تجاوز لحظات الانسداد السياسي واحتواء الخلافات مؤقتًا، مع إبقاء الباب مفتوحًا لإعادة تعريفها لاحقًا وفقًا لموازين القوة المتغيرة.
تجلّى هذا النمط بوضوح منذ صدور قرار مجلس الأمن 242 بعد حرب 1967. النص الذي دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من "أراضٍ محتلة" دون تحديد شامل، لم يكن خللًا لغويًا عابرًا، بل صياغة مقصودة سمحت لكل طرف بقراءة ما يخدم مصالحه. فبينما رآه العرب التزامًا بالانسحاب الكامل، اعتبرته إسرائيل، بدعم سياسي وقانوني من الولايات المتحدة، إطارًا تفاوضيًا مفتوحًا. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النزاع يدور حول الأرض فحسب، بل حول معنى النص نفسه، أي حول من يمتلك حق تفسيره.
لم تتوقف هذه الظاهرة عند هذا المثال، بل تكررت بصيغ أكثر تعقيدًا في اتفاقيات أوسلو. فما بدا خطوة نحو تسوية نهائية، كان في جوهره إعادة تنظيم للصراع. القضايا الأساسية لم تُحسم، بل أُجلت تحت مسمى "الوضع النهائي"، مما منح كل طرف مساحة لبناء واقع ميداني يخدم تفسيره الخاص. اعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية الاتفاق مسارًا نحو الدولة، بينما رأته إسرائيل أداة لإدارة الواقع الأمني دون التزام نهائي. هنا، يظهر الغموض البنّاء ليس مجرد وسيلة للتوافق، بل آلية لإعادة توزيع الزمن السياسي، حيث يُرحّل الحسم إلى مرحلة لاحقة قد تكون فيها موازين القوة قد تغيرت.
حتى في الاتفاقات التي تبدو تقنية ومحكمة، مثل الاتفاق النووي الإيراني، يظهر الغموض بوظيفة مماثلة. النصوص التفصيلية لم تمنع التباين في التفسير، بل أخفته مؤقتًا تحت طبقة من الدقة التقنية. وعندما قررت الولايات المتحدة الانسحاب، لم يكن ذلك خرقًا بسيطًا، بل إعادة تعريف للاتفاق من خارج إطاره، مستندة إلى تفوق بنيوي يسمح لها بإعادة تشكيل الالتزامات دون كلفة موازية. في المقابل، تعاملت إيران مع النص كمرجعية قانونية، قبل أن تدخل بدورها في لعبة إعادة التفسير التدريجي عبر تعديل سلوكها النووي.
وفي السياق الأحدث، يتكرر النمط ذاته في التفاهمات والهدن الجزئية التي تُصاغ بحدود جغرافية وسياسية ضيقة. تُقدَّم هذه التفاهمات كخفض للتصعيد، بينما هي في الواقع إعادة توجيه له. الهدنة التي لم تشمل لبنان تكشف هذه الآلية بوضوح: اتفاق يُفهم من بعض الأطراف على أنه تهدئة أوسع، بينما يُصاغ فعليًا كترتيب موضعي يسمح باستمرار العمليات خارج نطاقه. في هذا الفراغ التفسيري، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح المناطق غير المشمولة ساحة مفتوحة لإعادة فرض الردع. هنا، لا يعود الغموض مجرد مساحة تفاوض، بل يتحول إلى أداة عملياتية تُستخدم لتحديد أين تتوقف النار وأين تستمر، ومن يدفع الكلفة المباشرة لذلك.
ما يجمع هذه الحالات ليس الغموض وحده، بل البيئة التي يعمل ضمنها. ففي نظام دولي متوازن، يمكن للغموض أن يتحول إلى مساحة تفاوض حقيقية تُحلّ عبر المؤسسات. أما في نظام مختل، فإن الغموض لا يُحسم بالحوار، بل بالقوة. يصبح النص عندها ساحة صراع بحد ذاته، تُستخدم فيه اللغة كأداة سياسية لا كوسيلة توضيح. من يمتلك القوة لا يحتاج إلى كسر القواعد، بل يكفيه أن يعيد تفسيرها بما يتوافق مع مصالحه.
هنا يتضح أن ما يُسمى غالبًا "ازدواجية المعايير" ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل نتيجة بنيوية لنظام يجمع بين ثلاثة عناصر: قوة صلبة تفرض الوقائع، وقدرة قانونية على صياغة النصوص بمرونة، وسلطة سردية تروّج تفسيرًا معينًا باعتباره الشرعي. حين تجتمع هذه العناصر، لا يعود الغموض مشكلة يجب حلها، بل أداة يجب الحفاظ عليها، لأنها تمنح الطرف الأقوى هامش حركة دائم. المفارقة القاسية أن الطرف الأضعف هو الذي يدفع الثمن دائمًا، وفي السياقات التي استعرضها المقال، كان هذا الطرف في الغالب عربيًا، سواء في تفسير نصوص قرار مجلس الأمن 242، أو في مسار اتفاقيات أوسلو، أو في تداعيات الهدن الجزئية التي تُستثنى منها ساحات كـ لبنان. ذلك أن الضعف هنا ليس فقط عسكريًا، بل تفاوضي وتفسيري أيضًا، حيث لا يمتلك هذا الطرف القدرة الكافية على فرض قراءته للنص أو حماية مخرجاته على الأرض.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الاتفاقات الدولية بوصفها نهاية للنزاعات، بل كمرحلة انتقالية تُنقل فيها المواجهة من الميدان العسكري إلى ميدان التأويل. الغموض البنّاء ليس وسيلة لتحقيق السلام، بل أداة لإدارة الصراع بشروط مختلفة، حيث تصبح اللغة امتدادًا للسياسة، والسياسة امتدادًا للقوة. وفي عالم كهذا، لا يُحسم معنى النص عند توقيعه، بل في كل مرة يُعاد فيها تفسيره تحت ضغط الواقع، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب من لا يملك القدرة على فرض تفسيره.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة