تحليل د. سلمان ريا: وهم القوة في السياسة الدولية.. حين تطغى الظلال على الأجسام الحقيقية


هذا الخبر بعنوان "زمن الظلال..!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُشير الدكتور سلمان ريا إلى أن رؤية ظلال أطول من أصحابها في المشهد السياسي الدولي اليوم لا تستدعي الإعجاب، بل تدفع للتساؤل عن سبب انخفاض الشمس. فالمشكلة لم تعد تكمن في "الأقزام" الذين تضخمت ظلالهم، بل في الأفق الذي انحدرت فيه الشمس إلى درجة جعلت كل شيء يبدو أكبر من حقيقته. نحن لا نشهد صعود قوى جديدة بقدر ما نعيش لحظة اختلال بصري في ميزان القوة العالمي، لحظة تتضخم فيها الأصوات، وتُختزل فيها الحقائق، وتُقاس الهيبة بحدة الخطاب لا بعمق القدرة.
يُعد دونالد ترمب مثالاً صارخاً على هذه الظاهرة، بغض النظر عن التأييد أو المعارضة. فهو يمثل نموذجاً لتضخيم الحضور الإعلامي إلى حد يوحي بأن الخطاب نفسه أصبح بديلاً عن القوة. لكن وراء هذا "الظل الطويل" تكمن حقيقة أكثر قسوة: تراجع قدرة المؤسسات على إنتاج قرار متماسك، وانقسام داخلي يجعل أعظم قوة في العالم تبدو وكأنها تبحث عن ذاتها.
الأمر لا يقتصر على الأفراد؛ فروسيا، على سبيل المثال، تُحدث زلازل جيوسياسية، لكنها تفعل ذلك بقاعدة اقتصادية محدودة لا تكفي لحمل مشروع طويل الأمد. وإيران تمد نفوذها عبر شبكات غير تقليدية، لكنها تصطدم بسقف صلب عندما يتعلق الأمر ببناء نظام مستقر. أما تركيا، فتتحرك بمرونة عالية، غير أن تذبذبها الداخلي يجعل كل تقدم قابلًا للتراجع.
ثم تأتي الحالة الأكثر إثارة للجدل: إسرائيل. قد تبدو قوة فائقة التأثير قياساً بحجمها الجغرافي والديموغرافي، وتمتلك بالفعل تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً واضحاً، بالإضافة إلى شبكة علاقات دولية عميقة. لكن السؤال الصادم لا يكمن في ما تملكه الآن، بل في طبيعة هذا الامتداد: هل هو امتداد قابل للاستدامة، أم مجرد ظل يتضخم بفعل بيئة إقليمية مضطربة ودعم دولي غير متوازن؟ فعندما تتحول القوة إلى اعتماد دائم على التفوق الأمني وحده، دون تسوية سياسية مستقرة أو اندماج إقليمي حقيقي، فإن الظل قد يستمر طويلاً، لكن الجسم يظل تحت ضغط دائم. وهنا تحديداً يظهر الاختلال: نفوذ واسع، مقابل هشاشة كامنة في العمق الاستراتيجي والقبول الإقليمي. هذه ليست قوى "صغيرة" بالمعنى التقليدي، لكنها أيضاً ليست بالحجم الذي يوحي به ظلّها. ما نراه ليس تضخماً في القوة، بل تضخماً في الانعكاس.
في المقابل، هناك قوى لا تبدو صاخبة لكنها تبني بصمت. فالصين لا تحتاج إلى صدمات إعلامية لتثبت حضورها؛ فهي تزرع نفوذها في سلاسل التوريد، وفي التكنولوجيا، وفي البنية التحتية العالمية. هذا ليس "ظلًا طويلًا"، بل جسم يتمدد فعلياً. أما الاتحاد الأوروبي، فرغم بطئه الظاهري، يمارس نوعاً مختلفاً من القوة: قوة القواعد، حيث تتحول القوانين والمعايير إلى أدوات هيمنة أكثر استدامة من الجيوش.
الصدمة الحقيقية هنا ليست أن الأقزام كبر ظلهم، بل أن العالم أصبح يقيس القوة بالظل. الإعلام يضخّم، والسياسة تختصر، والجمهور يستهلك صوراً سريعة لقوة لا وجود لها في العمق. وهنا تكمن الخطورة: حين تُبنى القرارات الكبرى على تقدير خاطئ للحجم الحقيقي للقوى، تصبح الحروب أسهل، والأزمات أعمق، والمفاجآت أكثر كلفة. نحن إذن لا نعيش "غروباً" كاملاً، بل لحظة انتقال خطرة بين نظامين: نظام قديم يفقد توازنه، ونظام جديد لم يكتمل بعد. في هذه المنطقة الرمادية، تصبح الظلال خادعة، وتصبح الحقيقة أقل وضوحاً من أي وقت مضى. السؤال الذي يجب أن يصدم الرأي العام ليس: من الأقوى اليوم؟ بل: من يستطيع أن يبقى قوياً بعد عشر سنوات؟ لأن الظل، مهما طال، يختفي مع أول شروق حقيقي. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة