نايا الغزي: من سوريا إلى كأس العالم.. إنجاز تاريخي في الجمباز الإيقاعي يضيء تحديات الرياضة السورية


هذا الخبر بعنوان "نايا الغزي.. إنجاز فردي يكتب اسم سوريا في الجمباز الإيقاعي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تاريخية للرياضة السورية، نجحت لاعبة الجمباز الإيقاعي نايا الغزي في تحقيق إنجاز غير مسبوق بتأهلها لأول مرة في تاريخ سوريا إلى كأس العالم للجمباز الإيقاعي، الذي استضافته بلغاريا في 28 آذار الماضي. يأتي هذا الإنجاز ليضيء على قصص التفوق الفردي في بلدٍ غالبًا ما تُبنى إنجازاته الرياضية على المصادفة لا التخطيط، وفي مشهد عام يفتقر إلى الرعاية والدعم.
لطالما غابت الرياضة السورية عن الساحة الدولية بقوة، خاصة في الألعاب الفردية، بسبب إهمال مزمن من الاتحادات الرياضية التي أخفقت في اكتشاف المواهب وصقلها. ومع ذلك، برزت أسماء استثنائية بجهود شخصية، مثل الرباع معن أسعد، والبطل الأولمبي مجد الدين غزال، ولاعبة كرة الطاولة هند ظاظا، الذين شقوا طريقهم رغم غياب البيئة الداعمة. اليوم، تنضم نايا الغزي إلى هذه القائمة، لتفتح نافذة جديدة لرياضة غائبة عن المشهد السوري، وتطرح تساؤلاً حول عدد المواهب المخفية التي لم تجد من يراها.
بدأت قصة نايا الغزي مع الجمباز الإيقاعي في سن الثالثة والنصف، في لحظة صدفة غيرت مسار حياتها. لفتت مرونتها ورشاقتها الاستثنائية انتباه المدربين خلال تدريباتها الأولى، مما حول موهبتها الفطرية إلى مشروع رياضي جاد. أدرك المدربون إمكاناتها مبكرًا، واجتمعوا مع عائلتها لزيادة ساعات تدريبها بشكل مكثف، لترتفع من ساعتين أسبوعيًا إلى برنامج صارم يبلغ 26 ساعة، ما يعكس الثقة الكبيرة بموهبتها منذ البداية.
في سن العاشرة، انضمت نايا إلى الاتحاد السوري للجمباز، ثم شقت طريقها إلى المنتخب الوطني بعمر 12 عامًا فقط، في إنجاز مبكر يعكس نضجها الفني. بعد ذلك، انطلقت في رحلة المشاركات الخارجية، حيث خاضت بطولات دولية في هنغاريا، جورجيا، بولندا وأوكرانيا، وحققت خلالها ميداليات متعددة. توجت مسيرتها في عام 2019 بإحراز لقب البطولة العربية للجمباز الإيقاعي، لتصبح بطلة للعرب وتضع اسمها في صدارة جيل جديد من اللاعبات السوريات.
لم تكن مسيرة نايا الغزي خالية من التحديات، بل واجهت صعوبات جمة شكلت جزءًا لا يتجزأ من رحلتها، كما صرحت في حديثها لعنب بلدي. من أبرز هذه العقبات، الكلفة الباهظة لرياضة الجمباز الإيقاعي، في ظل غياب شبه تام للدعم المؤسساتي. فقد تحملت عائلتها عبء تمويل التدريبات والمعسكرات الخارجية، وتكاليف الألبسة والأدوات، وأجور المدربين، بالإضافة إلى نفقات السفر والإقامة.
كما شكل ضعف جواز السفر السوري عائقًا أمام مشاركاتها الدولية، مقارنة باللاعبات من دول أخرى اللواتي يحظين بتسهيلات ودعم كامل. وأشارت نايا إلى عدم وجود أي تواصل حقيقي مع الجهات الرسمية، حتى بعد مشاركتها في كأس العالم، مما يعكس غياب التقدير المعنوي لإنجازها. على الصعيد الشخصي، واجهت تحديًا كبيرًا في الموازنة بين دراستها وبرنامج تدريبي يومي يصل إلى أربع ساعات، ويرتفع إلى ست ساعات في أيام العطل.
أما الصدمة النفسية الأكبر، فكانت بإلغاء بطولة العالم للناشئات عام 2021 بسبب جائحة كورونا، وهي البطولة التي كانت تستعد لها بجهد مكثف، مما شكل اختبارًا صعبًا لقدرتها على تجاوز الإحباط والاستمرار.
على الرغم من التحديات، حققت نايا الغزي سلسلة من الإنجازات البارزة دوليًا وعربيًا. ففي عام 2018، أحرزت الميدالية الذهبية في كأس “كيتي” الدولي بجورجيا، وذهبية بطولة “Summer Stars” في أوكرانيا، بالإضافة إلى فضية كأس “Dugym” 2017، وعدة ميداليات في كأس الإمارات الدولي، وبرونزية بطولة بولندا الدولية. وفي عام 2019، نالت برونزية كأس “Nikaa” في أوكرانيا، وتوجت بطلة للعرب في تونس بأربع ميداليات ذهبية، كما حصلت على ذهبية الفردي العام في كأس الإمارات، وجوائز فردية كـ "لاعبة العام" و"أفضل رياضية تحت 15 عامًا".
استمرت إنجازاتها بالتصاعد، حيث أحرزت ذهبية بطولة آنا ريتزادينوفا 2021، وذهبيتين في كأس الإمارات 2022، ثم ذهبية وفضية في كأس “آرام” الدولي 2024. وشاركت في بطولات كبرى مثل “غراند بري ديروغينا” و “غراند بري” بودابست، ومثلت سوريا في بطولة آسيا 2025 بسنغافورة. ويظل الإنجاز الأبرز هو تأهلها إلى كأس العالم للجمباز الإيقاعي في صوفيا 2026، لتسجل أول مشاركة لسوريا في تاريخ هذه البطولة.
ما حققته نايا الغزي حتى الآن ليس سوى بداية لطموح أكبر، ففي حديثها لعنب بلدي، أكدت أن حلمها الأسمى هو المشاركة في الألعاب الأولمبية. لا تراه نايا إنجازًا شخصيًا فحسب، بل خطوة ذات بعد وطني لرفع اسم سوريا على منصات التتويج وتحقيق ميدالية أولمبية في رياضة لم تسجل بعد في سجل الإنجازات السورية.
هذا الطموح ليس مجرد شعار، بل هو مسار يومي تعيشه نايا بتفاصيله، حيث تواصل تدريباتها المكثفة ببرنامج صارم، مدفوعة بإيمان راسخ بأن الأولمبياد يتطلب عملًا متواصلًا وتضحية، لا مجرد موهبة. كل ساعة تدريب، وكل مشاركة، وكل عقبة تتجاوزها، تمثل خطوة نحو هذا الحلم الكبير.
في ظل واقع رياضي يفتقر إلى الدعم، يبدو حلم نايا أكثر صعوبة وقيمة في آن واحد. فهي لا تسعى للوصول فحسب، بل لفتح الطريق أمام لاعبات أخريات، ولإثبات إمكانية الوصول إلى المنصات العالمية حتى في غياب الإمكانيات. وهكذا، يتحول حلم الأولمبياد بالنسبة لنايا الغزي إلى مشروع حياة، تكتبه بإصرار لا يقل قوة عن الحلم ذاته.
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة