سياسة

لجان المكافآت في السورية للبترول: آلة لنهب المال العام وتكريس الفساد الإداري

zamanalwsl١٠ نيسان ٢٠٢٦ في ١٠:١٢ م7 مشاهدة
لجان المكافآت في السورية للبترول: آلة لنهب المال العام وتكريس الفساد الإداري

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""لجان المكافآت" في السورية للبترول: كيف تسرق "الحاشية" تعب العمال باسم القانون؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ نيسان ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في تطور يكشف أبعاداً أعمق لأزمة الفساد الإداري المستشري في الشركة السورية للبترول (SPC)، تبرز ظاهرة مقلقة تتمثل في تحويل "اللجان" من أدوات تنظيمية إلى آلة لصرف المكافآت غير المبررة، وإعادة تشكيل طبيعة العمل الأساسي بشكل مشوه. فما كان يُفترض أن يكون جزءاً من المهام اليومية للموظفين، تحول إلى فرصة لتجميع المكافآت عبر الانتماء إلى لجان متضخمة، يخدم بعضها مصالح فئة محدودة.

مكافأة الـ 300 دولار: مثال صارخ على تحويل الواجب إلى "إنجاز استثنائي"

تكشف معلومات حصلت عليها "زمن الوصل" عن نموذج صارخ لهذا الفساد: صرف مكافأة بقيمة 300 دولار لبعض الموظفين مقابل "نقل وترحيل أصول شركة صينية كانت تعمل في سوريا وانسحبت". والمفارقة هنا أن هذا العمل يقع ضمن صلب اختصاص ومهام الموظفين الذين تمت مكافأتهم. فبدلاً من أن يُعد تأدية هذا العمل واجباً وظيفياً يدخل ضمن الراتب الأساسي، تم تصويره على أنه "إنجاز استثنائي" يستحق مكافأة إضافية، بينما حُرم آخرون شاركوا في ذات الجهد من أي تقدير مالي.

هذا النموذج ليس حالة فردية، بل يعكس منهجية متبعة: تحويل أي عمل، حتى لو كان طبيعياً وروتينياً، إلى مشروع لجنة، ثم تخصيص مكافآت له لا تتناسب مع قيمة العمل أو نتائجه.

كيف تحولت اللجان إلى أداة للفساد الإداري؟

ما كان يُفترض أن يكون أسلوباً تنظيمياً استثنائياً للحالات المعقدة، تحول إلى نمط إداري دائم. اليوم، يتم تقسيم العمل الطبيعي في الشركة عبر قوالب لجان لا حصر لها: لجنة للحفر، لجنة للمشتريات، لجنة للتدقيق، لجنة للمكافآت، لجنة لنقل الأصول، وغيرها. هذا التحول لم يأتِ عبثاً، بل خدم أهدافاً عدة:

  • اللجان حكر على فئة ضيقة: لم تعد اللجان مفتوحة للكفاءات، بل أصبحت حكراً على بعض رؤساء الأقسام والمقربين منهم. وقد وصل الأمر ببعض رؤساء الأقسام إلى المشاركة في عشر لجان مختلفة، بينما يُمنع بقية العاملين - حتى من هم أكثر كفاءة - من أي دور حقيقي، مما يحول العمل إلى إقطاعيات صغيرة.
  • غطاء قانوني للمكافآت والدخل غير المشروع: تمنح اللجان غطاءً نظامياً لصرف مكافآت غير مبررة. فبدلاً من أن تخضع المكافآت لمعايير واضحة (كحجم الإنجاز، صعوبة العمل، الجهد المبذول)، يتم تمريرها تحت مسمى "أعمال لجان"، مما يسمح بتحويل مبالغ مالية كبيرة لجيوب فئة محددة تحت غطاء نظامي.
  • احتكر المعلومات وحجب فرص التعلم: تعني اللجان حجب المعلومات عن غير أعضائها. فعندما يُحصر العمل ضمن لجنة مغلقة، تبقى المعرفة والتجارب والخبرات محصورة داخلها. والنتيجة أن بقية الموظفين، وخاصة الكفاءات الشابة أو النزيهة، يُحرمون من فرصة التعلم والتطور والمشاركة الفعلية.
  • أداة إدارية لتمرير الفساد: أصبحت اللجان الغطاء المثالي لتمرير الفساد. فعندما يُتخذ قرار داخل لجنة، يصبح من الصعب محاسبة فرد بعينه، لأن القرار جماعي. هذا يخلق منطقة رمادية تسمح بتوزيع العقود، صرف المكافآت، وتوجيه العمل لمصلحة شبكات المحسوبية.
  • تقسيم العمل وتحويل الواجب إلى إنجاز: الأخطر هو أن العمل الطبيعي - الذي هو واجب أساسي للموظفين - يتم تفكيكه إلى أجزاء، وكل جزء يتحول إلى "لجنة". ثم يُقدم عمل هذه اللجنة على أنه "إنجاز استثنائي" يستحق مكافأة. وهكذا، بدلاً من أن يؤدي الموظف عمله اليومي كواجب، يصبح وكأنه يقدم "خدمة إضافية" تمنحه حقاً في مكافأة تتجاوز راتبه الأساسي.

المكافأة تفوق قيمة العمل وتخلق حوافز منحرفة

في كثير من الحالات، تكون المكافأة الممنوحة لعمل لجنة ما أكبر من القيمة الحقيقية لذلك العمل، بل وأحياناً تفوق الراتب الشهري للموظف العادي. هذا الخلل يخلق حوافز منحرفة: يصبح الموظف مهتماً بالانضمام إلى أي لجنة، بغض النظر عن قيمتها المضافة، لأن ذلك يعني دخلاً إضافياً كبيراً. أما العمل الأساسي والروتيني، فيُهمل أو يُؤجل.

ضوابط مقترحة لمنع تحول اللجان إلى أداة فساد واحتكار:

لمنع تحول اللجان إلى أداة فساد واحتكار، يُقترح الآتي:

  1. تحديد عدد اللجان: يجب وضع سقف لعدد اللجان في كل مديرية، وألا تتجاوز ثلاث لجان دائمة. أما اللجان المؤقتة فيجب أن تكون بقرار معلل ومدة زمنية محددة لا تتجاوز شهرين.
  2. وضع سقف للمكافآت لكل موظف: حتى لو استوجب عمل الموظف المشاركة في عدة لجان، يجب أن يكون هناك سقف أقصى للمكافآت التي يمكن أن يحصل عليها في الشهر أو السنة، لمنع تراكم المكافآت وتحولها إلى دخل موازٍ يفوق الراتب الأساسي.
  3. عدم استخدام اللجان إلا عند الضرورة القصوى: يجب أن يكون مبدأ العمل الأساسي هو الهيكل الوظيفي الطبيعي (مدير ← رئيس قسم ← موظفين). واللجان تكون استثناءً لحالات معقدة أو عابرة، وليست بديلاً عن العمل اليومي.
  4. منع تكرار الأسماء في اللجان لأكثر من سنتين: لمنع احتكار اللجان، يجب وضع نظام مداورة إلزامي. لا يسمح لأي موظف بالبقاء في ذات اللجنة لأكثر من سنتين، ويتم تغيير الأعضاء دورياً لإتاحة الفرصة للجميع.
  5. شفافية كاملة: يجب أن تكون عضوية أي لجنة معلنة، وأن تصدر محاضر اجتماعاتها وتوصياتها بشكل علني، مع توثيق المبررات المالية لأي مكافأة.

إما بناء السد أو انتظار الطوفان

الشرخ الصغير لا يصلحه دهان سريع، بل يحتاج إلى مهندسين يحفرون في الأساسات ويعيدون البناء من جديد. إذا تُركت هذه الشروخ دون علاج، فسنستيقظ يوماً على دولة "جديدة" لا تختلف عن القديمة إلا بشعاراتها، حيث يدير الفاسدون أنفسهم المؤسسات باسم الثورة. هذا هو الخطر الوجودي الذي يهدد كل التضحيات. الطريق طويل وشاق، لكنه يبدأ بخطوات حاسمة: قوانين واضحة، رقابة فاعلة، إرادة لا تقبل المساومة على النزاهة. إما أن نبدأ اليوم في إعادة بناء السد مؤسسة تلو الأخرى، وإما أن ننتظر الطوفان الذي لن يفرق بين فاسد ونزيه. الخيار بأيدينا الآن، ولن يبقى طويلاً.

شارك الخبر: