الشركة السورية للبترول في عين العاصفة: استقالة عدنان الإمام تفجر جدلاً قانونياً وأخلاقياً حول طلال الحلاق وتداعيات العدالة الانتقالية


هذا الخبر بعنوان "قضية طلال الحلاق.. جدل قانوني- أخلاقي في الشركة السورية للبترول" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فجّرت استقالة الإعلامي عدنان فيصل الإمام من الشركة السورية للبترول سجالًا علنيًا واسعًا، تداخلت فيه روايات متضاربة وقرارات إدارية أثارت الجدل، وبلغ ذروته بمنعه من دخول مرافق الشركة. بدأت القضية بخلاف مهني، لكنها سرعان ما اتسعت لتطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة، معيدةً إلى الواجهة ملف إعادة تدوير شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مسار العدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة في سوريا.
وكان الإعلامي عدنان فيصل الإمام قد أعلن استقالته من الشركة السورية للبترول، مبررًا قراره بخطوات اتُّخذت داخل المؤسسة، أبرزها تعيين أشخاص من فلول النظام السابق، ومنهم من يُعرف بقربه ودعمه للنظام السابق، في إشارة واضحة إلى طلال الحلاق الذي يشغل منصب مدير إدارة العلاقات الدولية والاتصال بالشركة السورية للبترول.
في المقابل، ردت الشركة السورية للبترول على قرار الاستقالة بتعميم رسمي يقضي بعدم السماح للإعلامي عدنان فيصل الإمام بالدخول إلى المباني والجهات التابعة لمؤسسات الشركة. وبررت الشركة ذلك بعدم التزامه بالتعليمات الصادرة عن الإدارة العليا، بالإضافة إلى ارتكابه مخالفات جسيمة رغم توجيه عدة إنذارات شفهية لم تُجدِ نفعًا، كان آخرها إبلاغه بعدم حاجة الشركة السورية للبترول لخدماته وعدم التعاقد معه مستقبلًا، وطلب تبرئة ذمته تجاه الشركة، وفقًا لما جاء في تعميمها.
من جانبه، نفى الإمام مزاعم الشركة عبر صفحته في “فيسبوك”، مؤكدًا أنه هو من قدم الاستقالة، وليست الشركة من فصلته. كما اعتبر توجيه الإنذارات الشفوية “أمرًا غير صحيح ولم يحدث إطلاقًا”، مشيرًا إلى ذكر اسمه بشكل مباشر في سياق يمسّ سمعته المهنية.
وأوضح الإمام أنه بعد تقديم استقالته، أرسل تسجيلًا صوتيًا إلى مدير الشركة، عبّر فيه عن عتب وموقف مهني، مؤكدًا أنه كان من المؤسسين لملف الإعلام في الشركة السورية للبترول، ولم يكن راضيًا عن بعض ما جرى. وشدد على أن ما ورد في بيان الشركة يثير الاستغراب، لكونه يتعارض مع واقع ما حدث، ويقدم رواية مختلفة تمامًا عن حقيقة استقالته، مطالبًا بتصحيح المعلومات غير الدقيقة بشكل رسمي، بما يحفظ الحقائق والاعتبار المهني، ويضع الأمور في إطارها الصحيح.
في سياق متصل، أوضح الناشط القانوني والخبير في القانون الدولي، المعتصم الكيلاني، في تصريح لعنب بلدي، أن قرار منع الإعلامي عدنان الإمام من دخول مرافق الشركة يثير تساؤلات قانونية. فالمرافق العامة، بحسب القانون الإداري، وُجدت لخدمة المواطنين جميعًا، ويجب أن يكون الانتفاع بها قائمًا على مبدأ المساواة وعدم التمييز. وعليه، فإن أي تقييد لحق مواطن في دخول مرفق عام يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، كأن يكون صادرًا عن جهة قضائية مختصة أو ضمن إجراءات تتعلق بحماية النظام العام وفق الأصول القانونية.
وأضاف الكيلاني أن صدور قرار إداري عام عن مدير مؤسسة يقضي بمنع شخص بصفته مواطنًا من دخول جميع الجهات التابعة لها، يثير شبهة تجاوز حدود الصلاحيات، ويُعد قابلًا للطعن أمام القضاء الإداري لعيب مخالفة القانون والانحراف بالسلطة، خاصة إذا لم يكن مستندًا إلى وقائع مثبتة أو خطر فعلي يبرر هذا المنع.
وفيما يتعلق بإصدار بيان رسمي يتضمن أسبابًا غير دقيقة أو غير صحيحة، أكد الكيلاني أن ذلك يمس مباشرة بمشروعية القرار الإداري، إذ إن من أركان أي قرار إداري سليم قيامه على سبب واقعي وقانوني صحيح. وفي حال ثبت أن الوقائع المذكورة لا تعكس الحقيقة، فإن القرار يكون مشوبًا بعيب السبب، وهو من الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى إبطاله قضائيًا. إضافة إلى ذلك، فإن نشر معلومات غير صحيحة تمس بسمعة الأفراد قد يرتب مسؤولية قانونية، سواء في إطار المسؤولية المدنية عن الضرر، أو في إطار القدح والذم، ما يفتح الباب أمام المتضرر للجوء إلى القضاء طلبًا للإنصاف وجبر الضرر.
قضية استقالة الإعلامي الإمام من منصبه لعدة أسباب، منها تعيين أحد المرتبطين بالنظام السابق طلال الحلاق، أثارت موجة استياء واسعة عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى إثر ذلك، أعلن وزير الطاقة السوري، محمد البشير، أنه تم توجيه الشركة السورية للبترول بكف يد طلال الحلاق عن العمل في الشركة، ريثما يتم التحقق الكامل من كل ما أُثير حول خلفيته والتقارير المتداولة بحقه. وأكد البشير أنه لن يكون في مؤسسات الدولة الجديدة مكان لأي شخص تحوم حوله شبهات تمسّ دماء السوريين أو كرامتهم أو معاناتهم.
بالتوازي، تداولت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أنباء عن خلاف نشب بين وزير الطاقة، والرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، إثر عزل الوزير لطارق الحلاق، وإصرار قبلاوي على بقائه بوظيفته. بدورها، نفت الشركة السورية للبترول هذه الأنباء، موضحة أنها تتابع ما يتم تداوله في بعض المنصات الإعلامية، ومؤكدة أنها تعمل ضمن رؤية وطنية شاملة تتكامل فيها الأدوار مع كافة الوزارات ومؤسسات الدولة.
وبحسب البيان الذي أصدرته الشركة يوم السبت 11 من نيسان، فإن علاقة الشركة بوزارة الطاقة هي علاقة تنسيق وتناغم تام، حيث تنفذ استراتيجية الحكومة السورية الرامية إلى “تعافي الاقتصاد الوطني”. واعتبرت الشركة أن أي محاولة لتصوير تباين في المواقف بين أركان الإدارة هي محاولات يائسة “لشق الصف المؤسسي الذي يزداد تماسكًا أمام التحديات”.
وأوضح البيان أن قطاع الطاقة ليس قطاعًا معزولًا، بل هو شريان الحياة الذي يدعم كافة مؤسسات الدولة، لذلك تعتبر الشركة شريكة في المشروع الوطني الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع، ملتزمة بأعلى معايير الانضباط المؤسسي والتنسيق المباشر لضمان توافق خطواتها مع التوجهات السيادية للدولة السورية الجديدة. وأشارت الشركة إلى أنها تؤمن بأن حرية التعبير هي أحد المكتسبات الوطنية التي تصونها وتحترمها، لكنها تميز بوضوح بين النقد البنّاء الذي يهدف للتطوير، وبين حملات التشويه الممنهجة التي تستهدف الكوادر الوطنية لغايات مشبوهة. وشددت على أن الشركة لن تتهاون في استخدام السبل القانونية والدستورية لمحاسبة من يحاول المساس بسمعتها أو سمعة كادرها، فالدولة القوية هي دولة المؤسسات والقانون.
يشغل طلال الحلاق منصب مدير إدارة العلاقات الدولية والاتصال بالشركة السورية للبترول. وكشفت معلومات متداولة عن ارتباط الحلاق بعلاقات وثيقة مع شخصيات نافذة في النظام السوري السابق. كما كان قريبًا من أسماء الأسد، التي منحته حق إدارة مطعم في حي الروضة بدمشق، بعد مصادرته من أحد أقارب نائب الرئيس الأسبق عبد الحليم خدام. وبحسب هذه المعطيات، أغلق الحلاق المطعم مع سقوط النظام السابق.
الجدل حول الحلاق لا يقتصر على نشاطه التجاري، إذ تشير سجلات وشهادات إلى توليه رئاسة مجلس إدارة شركة “ألفا إنكوربورتيد”، بحسب منصة “من هم”. وقد جاء ذلك ضمن شراكات مع شخصيات بارزة، من بينها دانا وديع بشكور، المديرة السابقة لمكتب أسماء الأسد، ما جعل الشركة قناة رئيسية لتمرير التدفقات المالية لصالح الدائرة الضيقة في القصر الجمهوري، بحسب موقع “زمان الوصل”.
وتُعد وثيقة أمنية مسربة من فترة النظام السابق من أبرز الأدلة التي أعادت طرح اسم الحلاق في دائرة الجدل، إذ تُظهر أنه ينحدر من ريف دمشق ويقيم في العاصمة، وكان يعمل كمحكم وخبير اقتصادي في مجال الاستشارات، بالتوازي مع تصنيفه كمصدر لفرع الأمن السياسي منذ عام 2019. كما تكشف الوثيقة عن تقديمه تقارير إلى الأجهزة الأمنية طالت عددًا من الناشطين، بينهم محمد المصري وهبة الحجي، متهمًا إياهم بالإساءة إلى سمعته أمام جهات أوروبية ومنظمات مدنية، من خلال تصويره كمصدر معلومات لدى أجهزة الاستخبارات السورية في عهد النظام السابق.
وتتضمن الوثيقة أيضًا ادعاءات بشأن علاقات خارجية لهؤلاء الناشطين، إذ تحدث عن ارتباط مزعوم لهبة الحجي بالاستخبارات التركية، وادعى تلقي منظمتها تمويلًا عبر جهات مرتبطة بإسرائيل. كما أشار إلى أن محمد المصري كان يجمع معلومات وصفها بالحساسة عبر فريق يعمل في عدة محافظات، لصالح دراسات تتبع لمنظمة “عدل وتمكين”، شملت بيانات عن شركات ومؤسسات غير ربحية.
وثيقة تنسب لطلال الحلاق تؤكد ارتباطه بشعبة الأمن السياسي خلال عهد النظام السابق.
قال الخبير في القانون الدولي المعتصم الكيلاني لعنب بلدي، إن مسألة إعادة توظيف شخصيات ارتبطت بانتهاكات سابقة أو بما يُعرف مجتمعيًا بـ“الشبيحة”، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد قرار إداري داخلي، بل هي قضية تمس جوهر بناء دولة القانون في سوريا. فالمعايير المعتمدة في مسارات العدالة الانتقالية، كما كرّستها الأمم المتحدة، تقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وعلى ضرورة ضمان عدم تكرار الانتهاكات، وهو ما يستوجب إخضاع أي مرشح للعمل في مؤسسات الدولة لعملية تدقيق وظيفي حقيقية تستند إلى سجلّه الحقوقي والمهني.
واعتبر الكيلاني أن تجاوز هذه المعايير وإعادة دمج أفراد دون مساءلة أو تحقق، من شأنه أن يقوّض ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، ويعيد إنتاج البنى التي ساهمت أصلًا في تقويض سيادة القانون، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد الإصلاح المؤسسي. وفي السياق السوري الأوسع، فإن هذه الوقائع تعكس غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية، الذي يفترض أن يشمل إصلاح المؤسسات العامة، وضمان استقلالها، ومنع استخدامها كأداة للإقصاء أو إعادة إنتاج النفوذ السابق.
وختم الكيلاني بالقول إن بناء مؤسسات شرعية لا يتحقق عبر قرارات إدارية منفردة أو عبر إعادة تدوير شخصيات مثيرة للجدل، بل يتطلب التزامًا حقيقيًا بمبادئ المساءلة والشفافية، واحترام حقوق المواطنين، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وفي هذا الإطار، فإن أي خطوة تتجاهل هذه المبادئ لا تُعد فقط إشكالًا إداريًا، بل تمثل عائقًا فعليًا أمام تحقيق انتقال عادل نحو دولة القانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة