تباين استراتيجي: الدبلوماسية الصينية الهادئة في مواجهة تصعيد ترامب العسكري ضد إيران وتداعياته الإقليمية


هذا الخبر بعنوان "الدبلوماسية الصينية مقابل نظيرتها الأمريكية في سياق الحرب على إيران" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الأول من نيسان الحالي، نشرت مجلة "الإيكونوميست" على غلافها، وإلى جانب صورتي الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، مقولة حكيمة مفادها: "لا تقاطع عدوك عندما يرتكب خطأ". وقد قدمت المجلة هذه المقولة كإطار تفسيري لرؤية الصين تجاه الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران. فالحرب التي وصفها ترامب في بدايتها بـ"النزهة القصيرة" تُعتبر، بحسب "الإيكونوميست"، خطأً تاريخيًا سيسرّع من انحدار واشنطن، وفي المقابل، ستوفر للصين فرصة استراتيجية ثمينة.
بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع هذه الحرب، برز تباين واضح بين نمطي إدارة القوة التي كرستها إدارة ترامب والسياسة الصينية. فقد تبنت الصين دبلوماسية هادئة، مدعومة بجهود باكستان ودول أخرى، لدعم مبادرة من خمس نقاط أُطلقت في بداية نيسان الحالي. شملت هذه المبادرة وقف إطلاق النار، وإعادة حرية الملاحة في مضيق "هرمز"، والدعوة إلى الحوار بين واشنطن وطهران. كما مارست الصين، إلى جانب روسيا، حق النقض في مجلس الأمن ضد قرار قدمته البحرين كان يجيز استخدام القوة في مضيق "هرمز" والخليج وخليج عمان لضمان المرور ومنع التدخل في الملاحة الدولية. هذا القرار، الذي عُدلت مسودته الأولى من الفصل السابع لتشمل إمكانية استخدام "جميع الوسائل اللازمة"، سعت فيه الصين وروسيا، حليفتا إيران، إلى كبح جماح التصعيد العسكري. وبحسب السفير الصيني فو كونغ، فإن مشروع القرار فشل في معالجة الأسباب الجذرية للصراع وتقديم رؤية شاملة ومتوازنة.
في المقابل، ورّط ترامب المنطقة والاقتصاد العالمي في حرب كان نتنياهو يرغب بها بشدة. وقد عبّر رئيس الكيان، إسحاق هريتسوغ، عن أن هدف هذه الحرب لا يقتصر على تغيير النظام الإيراني فحسب، بل يمتد ليشمل إحداث تغيير كامل في منطقة الشرق الأوسط. هذا الهدف يتسق تمامًا مع نهم نتنياهو وحكومته لحروب لا تنتهي، ورغبتهم الشاملة في تدمير إيران، وإيذاء دول مجلس التعاون الخليجي، واحتلال المزيد من الأراضي في لبنان وسوريا.
من المحتمل أن تطال حروب إسرائيل التي لا تنتهي تركيا لاحقًا، وهو ما عبّر عنه عدد من قادة الكيان في تصريحات متتالية، منهم رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، الذي وصف "تركيا بأنها إيران الجديدة" واعتبرها "تهديدًا استراتيجيًا" لهم، خاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا. يضاف إلى ذلك رغبة نتنياهو في تأسيس محور يواجه "المحور الشيعي المتداعي والمحور السني الآخذ بالتشكل". هذه الأبعاد التوسعية لإسرائيل وسعيها المستمر للهيمنة، تدفع الحكومة التركية نحو المزيد من العسكرة تحت شعار الردع. فتركيا تدرك مخاطر السياسة الإسرائيلية، التي وصفها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن "إسرائيل تجر المنطقة إلى داخل لعبة تديرها وتتحكم بها"، مما دفع تركيا إلى تعزيز دفاعاتها الجوية والسعي لبناء نظام دفاعي صاروخي أطلقت عليه "القبة الفولاذية" على غرار "القبة الحديدية" الإسرائيلية.
بينما تسعى الصين لتعزيز حضورها على الساحة الدولية وتدعم حليفتها إيران، لا يتوانى ترامب عن مهاجمة حلفائه والتنمر على قادتهم، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ويستخدم ترامب تعابير مبتذلة في خطابه ومنشوراته على صفحته عبر منصة "تروث سوشال"، مثل منشوره الذي طالب فيه الإيرانيين بفتح مضيق "هرمز". يتسق خطاب ترامب في نزع الأنسنة عن الإيرانيين، بوصفهم "ليسوا بشرًا" و"حيوانات"، مع التهديد الإبادي لإيران بإعادتها إلى "العصر الحجري" و"محو حضارتها". هذا الخطاب يتماشى مع التبرير الاستعماري الذي استخدمه قادة إسرائيل سابقًا مع الفلسطينيين بعد "7 من أكتوبر" لتسويق حرب الإبادة على قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة.
في واقع الأمر، قام الحليفان، ترامب ونتنياهو، بترجمة التهديدات الإبادية إلى واقع ملموس من خلال تدمير الاقتصاد والبنى التحتية المدنية، بما في ذلك المنشآت الطبية والتعليمية. يُعد هذا عقابًا جماعيًا شاملاً يهدف إلى تفكيك قدرة الدولة على أداء دورها، وطمس الحد الفاصل بين ما هو عسكري ومدني لتبرير تدميره، مثل إعادة تعريف أكبر جسر مدني في إيران، الذي يربط بين طهران والكرك، كهدف عسكري مشروع.
في سياق العلاقات الدولية، أعاد ترامب صياغة علاقة واشنطن مع حلفائها، محولاً إياها من التزامات راسخة إلى صفقات مشروطة. وقد رسخ هذا النهج دور واشنطن كفاعل انتقائي يعيد تسعير الأمن والنفوذ، ويوزع الأعباء بشكل أحادي الجانب. وقد أدى هذا التحول إلى فقدان ثقة بعض حلفاء الأمس بواشنطن، ودفعهم للبحث عن خيارات بديلة.
يُعد التصريح التالي لترامب نموذجًا لخطابه مع الدول التي رفضت الانخراط معه في هذه الحرب: "الدول التي لا تستطيع الحصول على وقود الطائرات بسبب مضيق هرمز، مثل المملكة المتحدة، والتي رفضت الانخراط في قطع رأس إيران" عليها "أولًا، اشتروا من الولايات المتحدة، فلدينا الكثير. وثانيًا، تحلّوا بشيء من الشجاعة المتأخرة، واذهبوا إلى المضيق، وانتزعوه ببساطة. سيتعين عليكم أن تبدؤوا تعلّم كيف تقاتلون دفاعًا عن أنفسكم. الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتكم بعد الآن، تمامًا كما أنكم لم تكونوا هناك لمساعدتنا. لقد جرى، عمليًا، تدمير إيران. والجزء الأصعب قد أُنجز. اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم". يمثل هذا الخطاب نموذجًا تبسيطيًا لشعبوية استعمارية، واستغلالًا لتداعيات الحرب التي أشعلها هو وحليفه للترويج لصادرات الطاقة الأمريكية، واستثمار الأزمات الجيوسياسية كسوق تجارية، ودعوة صريحة لانتزاع المضيق كفعل إمبريالي مباشر، متجاهلاً الدبلوماسية والحوار. ومن المفارقات أن ترامب أبدى سعادته بفكرة إنشاء "مشروع مشترك" بين الولايات المتحدة وإيران يضمن فرض رسوم عبور للمرور عبر مضيق "هرمز"، واصفًا إياه بأنه "أمر جميل"، وذلك بعد إعلانه عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين.
يواجه ترامب وإدارته مأزقًا استراتيجيًا في حربهم ضد إيران. فجميع السيناريوهات المطروحة، كتلك التي نشرتها مجلة "THE ATLANTIC" في نهاية آذار الماضي، لا تقدم له مخرجًا منخفض التكلفة، خاصة مع زوال أوهام إسقاط النظام بعد "قطع الرأس". هذه الحرب، التي تجنبها رؤساء سابقون للولايات المتحدة، يخوضها اليوم ترامب وإسرائيل، وهي حرب غطرسة هوجاء تتسبب بأكبر صدمة طاقة في التاريخ، وتسهم في إنتاج كوارث إنسانية وبيئية ومناخية آنية وطويلة الأمد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة