الحسكة: سدود ممتلئة وآمال زراعية تصطدم بعجز تشغيلي وسرقات


هذا الخبر بعنوان "سدود الحسكة.. ارتفاع التخزين يقابله عجز في التشغيل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة تحسنًا ملحوظًا في وضعها المائي، وهو ما انعكس إيجابًا على مستويات التخزين في السدود والتجمعات المائية المنتشرة بأنحاء المنطقة. هذا التحسن، الذي يُعزى إلى هطولات مطرية هي الأفضل منذ سنوات، بعث الأمل في استعادة التوازن المائي ودعم القطاع الزراعي، الذي يمثل عصب الاقتصاد المحلي. ومع ذلك، تتراوح آراء الجهات المعنية بين تفاؤل حذر بموسم زراعي واعد، وتحذيرات من تحديات فنية وتشغيلية مستمرة تعيق الاستفادة القصوى من الموارد المائية المتوفرة، مما يضع ملف إعادة تأهيل السدود على رأس قائمة الأولويات.
واقع السدود والخلل التشغيلي
أفاد عبد العزيز أمين، مدير الموارد المائية في الحسكة، بأن سدود المحافظة، سواء الكبيرة منها أو التجميعية الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في الأرياف، سجلت ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات المياه المخزنة. ووصل مخزون السدود السطحية إلى 328.620 مليون متر مكعب، بزيادة قدرها 169% مقارنة بالعام الماضي، حيث كان المخزون في الفترة ذاتها 121.974 مليون متر مكعب. يعكس هذا الارتفاع تحسنًا لافتًا في الواردات المائية، خاصة بعد سنوات شهدت تراجعًا حادًا في الأمطار وانخفاضًا في مناسيب نهر الخابور، المصدر الرئيسي لتغذية العديد من سدود المنطقة.
يتصدر سد الحسكة الجنوبي قائمة السدود من حيث حجم التخزين، حيث وصل منسوب المياه فيه إلى نحو 257 مليون متر مكعب، بزيادة قدرها 170 مليون متر مكعب عن العام الماضي الذي سجل 87 مليون متر مكعب. وعلى الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، أشار أمين إلى وجود فجوة بين السلامة الإنشائية للسدود وكفاءتها التشغيلية. فالسد الجنوبي، الذي يُعد من أهم المنشآت المائية بالمحافظة، سليم إنشائيًا وقادر على التخزين بكامل طاقته، لكن مشكلته تكمن في الجانب التشغيلي. فقد تعرضت بواباته القوسية للسرقة، بما في ذلك المحرك والبوابات الأمامية، وهي مكونات حيوية لتصريف المياه نحو الأراضي الزراعية على جانبي نهر الخابور خلال فصل الصيف. هذا الوضع يحول دون استخدام المياه المتوفرة بكميات كبيرة لأغراض الري حاليًا.
لمعالجة هذا الخلل، أوضح أمين أن مديرية الموارد المائية قامت بتقييم فني للأضرار وأعدت دراسة تقديرية لإعادة تأهيل البوابات، ورفعتها إلى الجهات المعنية لتأمين التمويل اللازم لإعادة تشغيلها. وتناول أيضًا وضع محطتي الضخ (13 و15) المرتبطتين بالسد الجنوبي، واللتين كانتا تخدمان الحقلين الزراعيين (19 و21)، مشيرًا إلى تعرضهما للسرقة بالكامل وبقاء هياكلهما الإسمنتية فقط. وقد أعدت المديرية دراسة لإعادة تأهيل هاتين المحطتين ورفعتها للوزارة، مع توقعات بتمويل المشروع من خلال صندوق مخصص للمنطقة الشرقية.
وفيما يخص السدين الشرقي والغربي، بيّن أمين أنهما لا يستقبلان أي وارد مائي حاليًا، وذلك لتوقف مصادر تغذيتهما من آبار رأس العين ومياه نهر الخابور القادمة من تركيا عبر منطقة تل حلف. وأضاف أن السد الشرقي يتطلب إعادة تأهيل، لكنه يقع خارج سيطرة الحكومة السورية، مما يعيق أي أعمال فيه. أما السدود الأخرى في مناطق المالكية والجوادية والقحطانية، فهي بحاجة إلى إعادة تقييم فني، خاصة تلك التي حددت لها شركات دراسات متخصصة مستويات تخزين آمنة، مثل سد باب الحديد وسد المنصورة، حيث لا يُسمح بتجاوز تلك المستويات نظرًا لحاجتها للترميم. وعلى النقيض، أكد أمين أن بقية السدود تتمتع بحالة فنية "جيدة جدًا" وقادرة على استيعاب المياه والفيضانات، مع اتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة كفتح المآخذ والمفيضات لضمان عدم تجاوز الحدود الآمنة.
يعكس هذا الواقع معادلة معقدة في قطاع المياه بالحسكة، حيث تتوافر الموارد الطبيعية بفضل الأمطار الغزيرة، لكنها تواجه تحديات تشغيلية كبيرة ناجمة عن الأضرار والسرقات وخروج بعض المنشآت عن الخدمة.
موسم واعد بإنتاج وفير
انعكس التحسن في الوضع المائي إيجابًا ومباشرة على القطاع الزراعي بمحافظة الحسكة، فقد ساهمت الهطولات المطرية المستمرة منذ كانون الثاني الماضي في تعزيز نمو المحاصيل ورفع مؤشرات الإنتاج المتوقع. أوضح هايل الكلش، مدير الزراعة في الحسكة، أن السدود امتلأت بنسب عالية، مما يعزز فرص استخدام المياه في الري خلال الفترة القادمة. وأكد الكلش أن الوضع الفني للسدود جيد بشكل عام، مع الإشارة إلى الحاجة لصيانة بعض المنشآت وإعادة تأهيل أخرى، مطمئنًا بعدم وجود مخاطر حالية تهدد سلامة السدود، ومؤكدًا استمرار العمل على إعداد الدراسات الفنية بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وعلى الصعيد الزراعي، أظهرت المؤشرات تحسنًا واضحًا في مختلف المحاصيل، بحسب الكلش. فقد وصل القمح المروي إلى مرحلة الاستطالة بنسبة 100%، بينما بلغ القمح البعلي 80% في طور الاستطالة و20% في طور الإشطاء. وسجل الشعير المروي 100% في طور الاستطالة، مقابل 85% للشعير البعلي و15% في طور الإشطاء. أما محصول العدس، بنوعيه المروي والبعلي، فهو في حالة جيدة بنسبة 100% ووصل إلى مرحلة نهاية التفرع. أكد الكلش أن هذه المؤشرات تدعم التوقعات بموسم زراعي استثنائي، قد يكون الأفضل في السنوات الأخيرة، شريطة استمرار الظروف المناخية المواتية وعدم حدوث تقلبات مفاجئة.
أهمية استراتيجية وتحديات مستمرة
يؤكد الخبير الاقتصادي محمد فتاح أن السدود والتجمعات المائية في محافظة الحسكة تشكل ركيزة أساسية للاستقرار المائي والزراعي، نظرًا لاعتماد مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية عليها لتأمين مياه الري. وأوضح فتاح أن دور السدود يتجاوز مجرد تخزين المياه ليشمل تغذية المياه الجوفية، وتنظيم الجريان السطحي، والحد من مخاطر الفيضانات الموسمية، مما يجعلها مكونًا حيويًا في إدارة الموارد الطبيعية بالمنطقة.
في الموسم الحالي، ساهمت الأمطار الغزيرة في تعزيز الجريان السطحي وتغذية الأحواض المائية، مما أدى إلى تحسن كبير في مستويات التخزين، لا سيما في السدود الصغيرة والمتوسطة، وشهد نهر الخابور تدفقًا أفضل في عدة مناطق بريف الحسكة. ويرى فتاح أن هذا التحسن يمثل فرصة ذهبية لإعادة التوازن المائي، لكنه يحذر من الاكتفاء بالعوامل الطبيعية دون تطوير البنية التحتية وصيانة السدود بانتظام. وشدد على أن التحديات التشغيلية، كتلك التي يواجهها السد الجنوبي ومحطات الضخ التابعة له، تبرهن أن إدارة الموارد المائية لا تقل أهمية عن توافرها، بل قد تكون العامل الحاسم في تحديد مدى الاستفادة منها.
سوريا محلي
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي