تحول سياسي تاريخي في هنغاريا: صعود حزب تيسا ينهي 16 عاماً من حكم أوربان ويعيد تشكيل المشهد الأوروبي


هذا الخبر بعنوان "انتخابات هنغاريا تعيد تموضع بودابست أوروبياً بعد 16 عاماً من حكم أوربان" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد هنغاريا تحولاً سياسياً بارزاً عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخراً، والتي أسفرت عن تقدم كبير لحزب "تيسا" بقيادة بيتر ماجيار، مقابل تراجع ملحوظ لحزب "فيدس" بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته فيكتور أوربان. تُعد هذه الانتخابات من أهم الاستحقاقات السياسية التي شهدتها البلاد منذ بداية التحول الديمقراطي في مطلع التسعينيات. وقد أقر أوربان بالهزيمة بعد إعلان النتائج الأولية، واصفاً إياها بأنها "واضحة ومؤلمة"، ومؤكداً أن حزبه سيستمر في العمل من مقاعد المعارضة.
كشفت النتائج عن حصول حزب "تيسا" على أغلبية برلمانية واسعة بلغت حوالي 138 مقعداً من أصل 199 مقعداً في البرلمان، بينما حصد حزب "فيدس" ما بين 54 و 56 مقعداً، وحصل حزب "وطننا" على نحو 8 مقاعد. تمنح هذه الأغلبية حزب "تيسا" القدرة على تحقيق أغلبية دستورية تتجاوز ثلثي البرلمان (133 مقعداً)، مما يمكنه من تمرير إصلاحات تشريعية كبرى دون الحاجة إلى تشكيل تحالفات. كما شهدت الانتخابات نسبة مشاركة قياسية تراوحت بين 77.8% و 79% وفقاً للتقديرات الرسمية، وهي الأعلى في تاريخ هنغاريا، مما يعكس الاهتمام الشعبي الكبير بهذا الاستحقاق. وعقب إعلان النتائج، صرح ماجيار بأن "المجر فازت"، مشيراً إلى أن الناخبين قد اختاروا "بين مسارين سياسيين مختلفين لمستقبل البلاد".
تُشكل هذه النتائج نهاية حقبة سياسية استمرت 16 عاماً، منذ عام 2010، حيث قاد فيكتور أوربان الحكومات المتعاقبة، وعمل على ترسيخ نموذج سياسي يشدد على السيادة الوطنية وتوسيع صلاحيات الدولة في مواجهة مؤسسات الاتحاد الأوروبي. خلال حملته الانتخابية، وصف أوربان الانتخابات بأنها خيار بين "الحرب والسلام"، محذراً من أن فوز المعارضة قد يؤدي إلى تغيير في سياسة هنغاريا تجاه الحرب في أوكرانيا، وهو ما نفاه منافسه ماجيار. في المقابل، ركزت حملة حزب "تيسا" على قضايا مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وإصلاح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
يُعتبر بيتر ماجيار (45 عاماً) من أبرز الشخصيات السياسية الصاعدة في هنغاريا خلال السنوات الأخيرة. فقد شهد صعوداً سياسياً سريعاً، حيث انتقل في فترة وجيزة من العمل في مناصب حكومية وإدارية إلى قيادة أحد أهم التحديات السياسية لحزب "فيدس". كان ماجيار في السابق عضواً مقرباً من الحزب الحاكم قبل أن يتحول إلى أحد أبرز منتقديه، مستنداً إلى برنامج سياسي يركز على إصلاح المؤسسات، وتعزيز الشفافية، وتحسين العلاقات مع الشركاء الأوروبيين. وقد حقق حزبه في عام 2024 نجاحاً ملحوظاً بحصوله على حوالي 29.6% من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي، مما شكل نقطة انطلاق قوية نحو الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
تأتي هذه الانتخابات في خضم تحديات اقتصادية واجهتها هنغاريا في السنوات الأخيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي. وقد اعتبر محللون هذه العوامل من بين المؤثرات الرئيسية في توجهات الناخبين. ومن المحتمل أن تمهد هذه النتائج الطريق لتسهيل تمرير قرض أوروبي بقيمة حوالي 90 مليار يورو، المخصص لدعم أوكرانيا، والذي كانت بودابست تعارضه في السابق.
تحظى نتائج الانتخابات بمتابعة واسعة النطاق داخل الاتحاد الأوروبي، حيث سارع عدد من القادة الأوروبيين إلى تهنئة ماجيار بالفوز. ومن بين هؤلاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي شدد على أهمية "المضي قدماً نحو أوروبا أكثر قدرة وتنافسية"، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي وصف الانتخابات بأنها محطة مهمة للمواطنين الهنغاريين. كما أبدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين استعدادها للعمل مع الحكومة الجديدة، بينما أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على أهمية التعاون من أجل "أوروبا قوية وآمنة".
تجاوزت أبعاد هذه الانتخابات الحدود الهنغارية، حيث حظيت بمتابعة من الولايات المتحدة وروسيا، نظراً للدور الذي لعبته هنغاريا في السنوات الماضية في العديد من الملفات الإقليمية والدولية. خلال الحملة الانتخابية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لأوربان، كما قام نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بزيارة إلى بودابست قبل الانتخابات. وقد حافظت حكومة أوربان سابقاً على علاقات تعاون وثيقة مع روسيا، مما جعل نتائج الانتخابات محط اهتمام موسكو. في المقابل، أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده للعمل مع الحكومة الجديدة لتعزيز التعاون الثنائي ودعم الاستقرار في أوروبا.
تشير تصريحات قيادة حزب "تيسا" إلى نية لإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، مع التركيز على تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التعاون ضمن حلف شمال الأطلسي، وتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية بشكل تدريجي. في الوقت نفسه، تؤكد قيادة الحزب استمرار بعض السياسات المتعلقة بحماية الحدود والهجرة. وفي ظل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي حققها حزب "تيسا"، تترقب الأنظار الخطوات الأولى للحكومة المقبلة، والتي ستحدد إلى حد كبير مسارات السياسة الداخلية والخارجية لهنغاريا في السنوات القادمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة