لقاءات السوريين بالمسؤولين: فجوة بين هموم الداخل الملحة وبريق الحضور في الخارج


هذا الخبر بعنوان "هموم المعيشة مقابل بريق الحضور..لماذا تختلف لغة السوريين أمام المسؤولين؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُظهر لقاءات السوريين مع المسؤولين فجوة واضحة في فهم وظيفتها ومعناها، فبينما يسعى نشطاء الداخل إلى استثمارها كأداة ضغط ومساءلة، تتحول في بعض أوساط الجاليات إلى مشهد أقرب للاستعراض الاجتماعي أو الرغبة في الحضور الرمزي. يثير هذا التباين تساؤلات جدية حول طبيعة التفاعل مع السلطة وحدود المسؤولية لدى مختلف الفاعلين في تشكيل هذا المشهد.
في هذا السياق، يرى الناشط ماجد عبد النور، في حديثه لـ "الثورة السورية"، أن الإنسان ابن بيئته، وأن تناوله لأي قضية ينطلق مما يمسّه مباشرة ويؤثر في حياته اليومية. ويشير إلى أن هذا العامل يفسّر الفارق في طبيعة الطرح بين نشطاء الداخل والخارج، رغم تحفظه على هذا التصنيف، معتبراً أن الأمر في جوهره سلوك بشري يرتبط بوجع الفرد ومعاناته وتجربته المعيشية.
ويؤكد عبد النور أنه لا يرى تعارضاً بين ما يُطرح في لقاءات الداخل وتلك التي تجري في الخارج، إذ يسعى كل طرف إلى التعبير عن همومه والبحث عن حلول لمشكلاته، وهو ما يندرج ضمن فطرة الإنسان التي تدفعه للاهتمام بمصالحه والتعبير عن معاناته. ويضيف أن الاختلاف قد يظهر على مستوى المواقف السياسية، وهو أمر طبيعي ومشروع في ظل تعدد وجهات النظر تجاه القضايا السياسية أو الواقع العام في البلاد.
ويعيد عبد النور جوهر المسألة إلى طبيعة الحاجات والهموم التي يحملها كل فرد، حيث يسعى إلى طرحها أمام المسؤولين انطلاقاً من موقعه وتجربته. ويرى أن الطرح في الداخل يكون في كثير من الأحيان أكثر عمقاً، نظراً لارتباطه المباشر بتجربة العيش اليومي وما تحمله من ألم وأحداث متسارعة، ما يجعل الأسئلة أقرب إلى ملامسة هموم الناس وواقعهم.
في المقابل، يلفت عبد النور إلى أن نشطاء الخارج يطرحون أيضاً قضاياهم ومشكلاتهم، لكن بما يتناسب مع واقع الجاليات وظروفها الخاصة. ويخلص إلى أن اختلاف الطروحات لا يعكس بالضرورة تبايناً في المواقف بقدر ما يعكس تباين البيئات التي ينتمي إليها الأفراد، وما تفرضه من أولويات وهموم يومية.
وتعكس بعض الآراء المنشورة على صفحات نشطاء، من بينها ما كتبه الدكتور منذر خليل، توجهاً آخر. إذ يلفت خليل في منشور على صفحته الشخصية إلى أن لقاء الجالية السورية في بريطانيا مع السيد الرئيس أحمد الشرع والوفد المرافق له في 1 نيسان الحالي، ورغم ما كان يُفترض أن يحمله من طابع سياسي، انزلق في جوانب منه نحو سلوكيات أقرب إلى الاستعراض والمداخلات غير الجادة، ما حدّ من إمكانية طرح الأسئلة الجوهرية المرتبطة بملفات حساسة كالمختفين قسراً والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار.
وقارن خليل ذلك بما نُقل عن لقاءات داخلية، كاجتماعات نشطاء إدلب، التي اتسمت بقدر أعلى من الرصانة وملامسة هموم الناس بشكل مباشر. واعتبر أن الإشكالية لا تتعلق فقط بطبيعة الجاليات أو آليات تنظيم اللقاءات، بل تمتد إلى غياب تحويل هذه المناسبات إلى استحقاق سياسي حقيقي يعكس ثقل الجاليات كرافد وطني، بدل اختزالها في إطار اجتماعي عابر، ما يؤدي في النهاية إلى تفويت فرص مهمة كان يمكن البناء عليها.
في السياق ذاته، أوضح الكاتب والسياسي غسان المفلح لـ "الثورة السورية" أن المشهد المرتبط بلقاءات المسؤولين لا يمكن اختزاله بصورة واحدة، بل تحكمه اعتبارات متباينة بين الداخل والجاليات. فبحسب تعبيره، "الفاعل ضمن الجاليات قد يتعامل مع هذه اللقاءات بدوافع مختلفة، تتراوح بين السعي لخدمة بلده أو تحقيق مصالحه الشخصية، وأحياناً الجمع بين الاثنين، عبر التقرب من السلطة على أنها مصدر تأثير وفرص".
ويشير المفلح إلى ضرورة التمييز بين "المؤثرين" في الفضاء الإعلامي، وأولئك الفاعلين داخل الجاليات من خلال نشاطهم المباشر، لافتاً إلى أن بعض البيئات، كما في عدد من الجاليات الأوروبية، تشهد غياباً نسبياً للعقل النقدي، ما ينعكس على طبيعة التفاعل مع هذه اللقاءات.
في المقابل، يلفت المفلح إلى أن المواطن في الداخل محكوم بضغط يومي يرتبط بتأمين أساسيات الحياة، وهو ما ينعكس على مقاربته للقاءات مع المسؤولين، حيث تتحول إلى مساحة لطرح مطالب مباشرة وملحّة، على خلاف جزء من الجاليات التي لا تعيش الضغوط ذاتها.
ويختتم المفلح بالإشارة إلى أن الإشكالية الأعمق تكمن في كيفية تقديم السلطة نفسها في كلا السياقين، معتبراً أن هذا العامل يلعب دوراً حاسماً في تشكيل طبيعة التفاعل، وإن كان يترك الإجابة مفتوحة.
إن استعادة المعنى الحقيقي للقاء بالمسؤول تبدأ من وعي جوهري بأن اللقاء ليس للوجاهة أو لالتقاط صورة تذكارية، إنما فرصة لطرح الأسئلة المهمة. وحين يدرك كل مواطن، أينما كان، أن دوره الطبيعي هو دور الرقيب والمساءل، لا دور المتفرج أو المستهلك، عندها فقط تستعيد هذه اللقاءات معناها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة