عاصفة بَرَد عنيفة تضرب الحسكة: خسائر زراعية جسيمة تهدد الأمن المعيشي للمزارعين


هذا الخبر بعنوان "عاصفة بَرَد تضرب الحسكة.. مزارعون يواجهون خسائر بمحاصيلهم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت أرياف مدن عامودا والدرباسية والقامشلي، التابعة لمحافظة الحسكة، خلال الأيام الماضية، تساقطًا كثيفًا لحبات البَرَد، المعروفة محليًا باسم "الحالول"، مما أسفر عن أضرار واسعة النطاق في المحاصيل الزراعية. وتشير التقديرات الأولية إلى خسائر متفاوتة تتراوح بين المتوسطة والكبيرة، تبعًا لنوع المحصول ومرحلة نموه. يعتمد آلاف السكان في هذه المناطق بشكل أساسي على الزراعة كمصدر دخل رئيسي، مما يعني أن أي ضرر يلحق بالمحاصيل ينعكس سلبًا ومباشرة على الأمن الغذائي والمعيشي للأهالي، لا سيما في ظل التكاليف المرتفعة للإنتاج وتضاؤل القدرة على تعويض الخسائر.
طالت الأضرار محاصيل استراتيجية وغذائية متنوعة تُعد من أبرز زراعات الموسم الربيعي في المنطقة، وشملت القمح والشعير والبصل والفول والكمون. ووفقًا لإفادات مزارعين لـ "عنب بلدي"، تباينت شدة الأضرار بناءً على عمر النبات وكثافة الهطول، حيث أدت حبات البَرَد إلى تكسير أوراق النباتات، وإحداث رضوض في السيقان، بالإضافة إلى اقتلاع جزئي لبعض الشتلات، الأمر الذي يهدد الإنتاجية النهائية للموسم. ويُعتبر القمح والشعير من أكثر المحاصيل تضررًا بسبب انتشارهما الواسع، بينما تأثر البصل والفول والكمون بدرجات متفاوتة.
في ريف عامودا، وصف المزارع أحمد سعدون العاصفة بأنها "مفاجئة وعنيفة"، مؤكدًا أن حقله المزروع بالقمح تعرض لأضرار جسيمة. وأوضح سعدون أن "الحالول نزل بكثافة، وضرب أوراق القمح بشكل مباشر في مساحات واسعة من الأرض، مما أدى إلى تكسّرها بالكامل تقريبًا". وقدّر أحمد خسارته بأكثر من 50% من إنتاج القمح المتوقع، مشيرًا إلى أنه كان يعتمد على الموسم الحالي لتعويض خسائر العام الماضي. وأضاف، "تكاليف الزراعة مرتفعة من بذار وحراثة ووقود، وإذا استمر الوضع بهذا الشكل، سنكون أمام موسم خاسر بالكامل".
أما في ريف الدرباسية، فقد أفاد المزارع خالد علي بأن الأضرار تركزت بشكل رئيسي على محاصيل الكمون والفول. وأشار إلى أن الكمون في مرحلة الإنبات المبكرة تعرض لتأثير أقل نسبيًا مقارنة بالمزروعات الأكثر نموًا، موضحًا أن "الكمون الذي كان في بداية الإنبات قد يتحمل ويعوض، لكن المساحات التي بدأت بالنمو بشكل واضح تضررت أكثر". وأضاف أن الفول تعرض لضربات مباشرة أدت إلى تمزق الأوراق وانحناء السيقان، مما سيؤثر سلبًا على إنتاجيته. ولفت خالد إلى أن المزارعين باشروا برش مبيدات فطرية، خشية إصابة النباتات بالأمراض نتيجة الجروح التي أحدثها البَرَد، قائلاً: "نخشى من انتشار الفطريات بسبب الرطوبة والكسور، لذلك بدأنا بالعلاج فورًا".
وفي ريف القامشلي، ذكر المزارع محمود قدور أن محصول البصل كان من بين المحاصيل المتضررة، لكنه أبدى أملًا في تعافيه. وأوضح أن "أوراق البصل تعرضت للتمزق، لكن من المعروف أن البصل يمكن أن يعوض النمو إذا كانت الجذور سليمة". وأشار إلى أن نسبة الضرر في حقله تتراوح بين 20 و30%، معتبرًا أن هذه الخسائر "مقبولة نسبيًا مقارنة بمحاصيل أخرى".
بدأ عدد من المزارعين باتخاذ إجراءات وقائية محدودة للحد من تداعيات الأضرار، كان أبرزها رش مبيدات مضادة للفطريات لمنع انتشار الأمراض التي قد تنجم عن الجروح التي أصابت النباتات. غير أن هذه الإجراءات تزيد من الأعباء المالية على المزارعين، الذين يعانون أصلاً من ارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية.
من جانبه، أوضح المهندس الزراعي عادل صافي أن تأثير البَرَد يتفاوت باختلاف نوع المحصول ومرحلة نموه، مشيرًا إلى أن بعض المحاصيل تتمتع بقدرة على التعويض، وإن كانت بنسب متفاوتة. وبيّن أن الشعير يُعد من أكثر المحاصيل قدرة على تجاوز الضرر، حيث يمكنه النمو مجددًا وتقديم إنتاج مقبول، رغم أن الإنتاج النهائي غالبًا ما يكون أقل من المعدلات الطبيعية بسبب تضرر البنية الخضرية للنبات. وأضاف أن القمح يمتلك أيضًا القدرة على تجديد أوراقه وتفرعاته، خاصة وأن الموسم لا يزال في مرحلة مبكرة نسبيًا، مما يمنحه فرصة زمنية للتعويض، شريطة توفر الظروف المناخية الملائمة في الأسابيع القادمة. وفيما يخص البصل، أكد صافي أنه من المحاصيل التي "لا يُخشى عليها بشكل كبير"، لقدرتها على تعويض الأوراق المتضررة، طالما أن البصلة نفسها لم تتضرر مباشرة. أما الكمون، فأشار إلى أن تأثره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمرحلة النمو، موضحًا أن النباتات في بداية الإنبات تكون أقل عرضة للضرر لقربها من سطح التربة، بينما تكون النباتات المتقدمة في النمو أكثر هشاشة وعرضة للكسر. كما لفت إلى أن الفول يتأثر بشكل متوسط، وقد يتعافى جزئيًا، لكن الضرر الذي يلحق بالأوراق والسيقان ينعكس سلبًا على الإنتاجية النهائية. وشدد صافي على الأهمية البالغة للمعالجات الزراعية اللاحقة، كاستخدام المبيدات الفطرية، لتجنب تطور إصابات ثانوية قد تزيد من حجم الخسائر، خصوصًا في بيئة رطبة تساعد على انتشار الأمراض.
حتى الآن، لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة تحدد حجم الخسائر، لكن تقديرات المزارعين تشير إلى تفاوت الأضرار بين 20% و60%، وذلك تبعًا لنوع المحصول والمنطقة المتضررة. ويُرجح أن تكون الخسائر الأكبر قد وقعت في الحقول المكشوفة التي تعرضت مباشرة للعاصفة، في حين كانت الأضرار أقل في المناطق التي شهدت هطولًا أخف للبَرَد.
تأتي هذه الخسائر لتزيد من الأعباء على القطاع الزراعي في شمال شرقي سوريا، الذي يعاني أصلاً من تحديات متعددة، منها ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذار، وضعف الدعم العام، مما يضع المزارعين تحت ضغوط مركبة تزيد من صعوبة تجاوز الأضرار. كما يواجه المزارعون صعوبات في تسويق منتجاتهم بسبب تقلبات الأسعار وغياب الاستقرار الاقتصادي، الأمر الذي يجعل أي تراجع في الإنتاجية ينعكس سلبًا ومباشرة على دخل الأسر الزراعية.
أعرب مزارعون لـ "عنب بلدي" عن مخاوفهم من تكرار موجات البَرَد في الفترة القادمة، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتطرفة التي تشهدها المنطقة، والتي تنتج أنماطًا جوية غير مستقرة. وقال أحدهم: "الطقس لم يعد متوقعًا كما في السابق، وأصبحنا معرضين لخسارة الموسم في أي لحظة".
على الرغم من حجم الأضرار، يعوّل بعض المزارعين على قدرة محاصيل معينة، لا سيما القمح والشعير والبصل، على التعويض في حال تحسنت الظروف الجوية خلال الفترة المقبلة. لكن هذا يبقى مرهونًا باستقرار الطقس واستمرار المعالجات الزراعية المناسبة، مما يضع الموسم الحالي في حالة ترقب بين الخسارة الجزئية وإمكانية الإنقاذ. وتكشف موجة "الحالول" الأخيرة حجم المخاطر التي تهدد الإنتاج الزراعي في مناطق الجزيرة السورية، حيث تظل المحاصيل عرضة لتقلبات مناخية مفاجئة قد تؤثر بشكل كبير على الإنتاج. وفي ظل غياب أدوات فعالة للتخفيف من آثار هذه الظواهر، يجد المزارعون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الخسارة، معتمدين على خبراتهم وقدرة الأرض على التعافي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم يبدو حتى الآن محفوفًا بالمخاطر، رغم إنتاجيته العالية هذا العام بسبب كثافة الأمطار الهاطلة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي