محافظ دمشق يستعرض إنجازات خدمية ويكشف فساداً.. وتساؤلات حول عدالة إعمار القابون وجوبر


هذا الخبر بعنوان "في ندوة دمشق الحوارية: إنجازات ملموسة بالخدمات والمرور.. وسؤال الإعمار ينتظر الإجابة" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قاعة فخمة بقلب العاصمة دمشق، عقد محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، يوم الأحد ندوة حوارية موسعة. خُصصت هذه الندوة لدراسة واقع عمل المحافظة والخطط المستقبلية المطروحة على أجندة المدينة. حضر اللقاء حشد من الإعلاميين والمؤثرين الذين قاموا بنقل تفاصيله إلى الجمهور الواسع.
لكن الملاحظة الأبرز في هذا التجمع كانت حول من غاب عنه لا من حضر فيه؛ إذ لم يُشاهد بين الحضور أي ممثلين عن لجان الأحياء أو وجهاء المجتمع المحلي. هؤلاء هم من يعرفون هموم الشارع الدمشقي عن كثب، ويُفترض أن يكونوا شركاء أساسيين في أي حوار يخص مستقبل أحيائهم. وفي كل مرة تُذكر فيها عبارة "تم التنسيق مع لجان الأحياء"، يظل السؤال معلقاً: أين هم إذاً عن هذه الجلسة المصيرية؟
تضمن اللقاء اعترافاً صريحاً بالتحديات القائمة، ولم يخلُ من إعلان عن خطوات عملية وإنجازات ملموسة في عدة ملفات خدمية. كما شهد مصارحة نادرة بوجود تجاوزات وفساد في أحد المشاريع الكبرى، قبل أن ينتقل الحديث إلى الملف الأكثر تعقيداً وإلحاحاً: إعادة إعمار الأحياء المدمرة.
من أبرز ما تطرق إليه المحافظ في بداية حديثه كانت معضلة الازدحام المروري الخانق، كاشفاً عن رقم صادم يتمثل بدخول ستمائة ألف سيارة يومياً إلى شوارع دمشق. لم يُذكر هذا الرقم كحقيقة واقعة فحسب، بل تبعه طرح عملي تعمل عليه المحافظة حالياً. يتضمن ذلك خطة لإنشاء عدة مرائب استثمارية ومواقف متعددة الطوابق في مداخل المدينة وأحيائها الحيوية. هذه الخطوة، وإن بدت إدارية بحتة، تعكس إدراكاً متقدماً لحجم الأزمة ومحاولة جادة لإعادة تنظيم المشهد المروري الذي يعاني منه الدمشقيون يومياً.
وفي خطوة إضافية لتخفيف الضغط عن مركز المدينة، كشف المحافظ عن خطط قيد الدراسة لنقل بعض المجمعات الحكومية التابعة للمحافظة إلى أطراف دمشق، وهو إجراء من شأنه تخفيف الازدحام بشكل كبير في المناطق الحيوية وتحسين انسيابية الحركة.
كما تطرق المحافظ إلى واقع إغلاق طريق القصر الجمهوري وأثره على حركة التنقل، مؤكداً أن هناك مساراً جديداً بطول 900 متر سيتم افتتاحه قريباً بعيداً عن منطقة الإغلاق، في بادرة تهدف إلى فك الاختناقات المرورية وتسهيل حركة المواطنين.
في سياق الحديث عن تطوير البنية التحتية للعاصمة، أعلن السيد المحافظ عن استبدال نسب مهمة وكبيرة من شبكات المياه والصرف الصحي في مناطق متفرقة من دمشق، واصفاً هذا المشروع بأنه من الإنجازات الجيدة جداً التي أنجزتها المحافظة خلال الفترة الماضية. وأضاف أن شبكات الري في الحدائق العامة شهدت هي الأخرى تحديثاً ملحوظاً، مما انعكس إيجاباً على المساحات الخضراء والمتنزهات التي يرتادها الدمشقيون.
ولم يغب عنصر الأمن والسلامة المرورية عن خطة التطوير، حيث أشار المحافظ إلى بدء تركيب إشارات مرور جديدة مع أنظمة مراقبة أمنية أوسع، تهدف إلى ضبط الحركة المرورية وتعزيز الأمن العام في شوارع العاصمة. هذه المنظومة المتكاملة، بحسب ما ورد، ستسهم في تقليل المخالفات والحوادث وتوفير بيئة أكثر أمناً للسائقين والمشاة على حد سواء.
لم تغب المشكلات اليومية عن النقاش، حيث استمع الحضور لشرح مفصل حول أزمة أسواق المناخلية والشكاوى المتكررة من الأهالي جراء الورشات الصناعية التي تعمل داخل محال تجارية مرخصة. وقد أوضح المحافظ أن ترخيص هذه المحلات تجاري وليس صناعي، موجهاً دعوة واضحة لأصحابها بفصل العملية الصناعية عن البيع، بحيث تتم ممارسة الصناعة في مناطق مخصصة خارج الأحياء السكنية حفاظاً على راحة الجيران.
وفي سياق متصل بتنظيم الأسواق، تطرق المحافظ إلى الواقع الفوضوي الذي يعانيه سوق الجمعة في حي ركن الدين، وتحديداً في منطقة الشيخ محيي الدين بجانب مسجد سيدنا محيي الدين العربي. وأعلن عن خطة قريبة ستقوم بها المحافظة لتنظيم المنطقة بشكل كامل، بهدف القضاء على الفوضى الحالية وإعادة الانضباط إلى هذه السوق الحيوية التي يرتادها آلاف المواطنين أسبوعياً.
أما فيما يخص ظاهرة البسطات الجائلة التي تشغل الأرصفة في المناطق الحيوية مثل شارع النصر وسوق الحميدية، فقد كشف المحافظ عن خطة جديدة مستوحاة من نظام البازار التركي، تقوم على تخصيص يوم واحد فقط في الأسبوع لكل منطقة مزدحمة. فمثلاً، يكون يوم الأحد مخصصاً للبسطات في سوق الحميدية، والاثنين في شارع النصر، والثلاثاء في شارع الثورة، وهكذا دواليك. يهدف هذا النظام إلى تحقيق التوازن بين حق الباعة في كسب رزقهم وحق المواطنين في استخدام الأرصفة والطرقات دون عوائق.
في لحظة لافتة من الندوة، لم يغفل السيد المحافظ الحديث عن مشروع مراتي سيتي، وهو أحد المشاريع الكبرى في العاصمة. وبكل صراحة، اعترف بوجود بعض التجاوزات والأخطاء وحالات فساد شابت المشروع. هذه المصارحة العلنية، وإن بدت موجعة، تُحسب للمحافظ كخطوة إيجابية في اتجاه الشفافية والإقرار بوجود الخلل. والأهم من ذلك، تأكيده أن المعالجة مستمرة لتصحيح هذه التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها، في رسالة طمأنة بأن المؤسسة قادرة على مراجعة ذاتها وتصحيح مسارها.
بعد استعراض هذه الخطوات والإنجازات الخدمية، انتقل الحديث إلى الملف الأضخم والأكثر حساسية: إعادة إعمار أحياء القابون وجوبر. هنا، خرج السيد المحافظ برقم فلكي للتكلفة المتوقعة يتراوح بين سبعة عشر إلى عشرين مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الهائل الذي لحق بهذه المناطق التي كانت يوماً عامرة بأهلها.
وعند الحديث عن آليات تمويل البنية التحتية (الماء والكهرباء والصرف الصحي)، أشار المحافظ إلى أن الأصول القانونية تنص على تحمل الأهالي لهذه التكاليف، كما هو متبع في أي حي سكني جديد. لكن هنا، وبعيداً عن النقد المجرد، يتوقف المراقب عند طبيعة هذه الأحياء. فالقابون وجوبر ليسا مشروعاً عقارياً ناشئاً في أرض بكر، بل هما حيان دفع أهلهما ثمناً باهظاً من دمائهم وتهجيرهم وسنوات عجاف قضوها في المخيمات والمعتقلات. هؤلاء هم المجاهدون وأهالي الثورة، الذين سكنوا هذه الحارات وتحملوا ويلات الحرب. القانون الذي يُستند إليه وُضع لغير هذه الحالة الاستثنائية.
فمن الظلم بمكان أن تُعامل الأحياء التي دُمرت لأنها ثارت، كما تُعامل الأحياء التي سلمت وبقيت بنيتها سليمة. إن فاتورة الدم التي دفعها أبناء جوبر والقابون يجب أن تُقرأ في سياق أي فاتورة مالية قادمة. السؤال المطروح بأدب ولكن بإلحاح: أليس من العدل أن تتحمل الدولة، بصفتها صاحبة القرار السيادي في الحرب والسلم، تكاليف البنية التحتية الأساسية لمن دمرت منازلهم بسبب موقف سياسي؟
إن ما قدمته محافظة دمشق من خطط لحل أزمة السير وتنظيم الأسواق وتطوير البنية التحتية والاعتراف بالفساد يُحسب لها، وهي جهود واضحة وملموسة تستحق الإشادة. ولكن يبقى ملف إعادة إعمار الأحياء الثائرة هو امتحان العدالة الحقيقي. فالمدينة التي تريد أن تنهض لا تستطيع أن تفعل ذلك على حساب كرامة من ضحوا من أجل حريتها.
الحل الأمثل يكمن في معادلة وسط: إعمار عادل يستثني المجاهدين من فاتورة البنية التحتية، ليس كمنحة، بل كاستحقاق تاريخي وأخلاقي. ويبقى السؤال الأخير معلقاً في أرجاء القاعة الفخمة التي غاب عنها رجال الأحياء الحقيقيون: كيف يُرسم مستقبل جوبر والقابون دون الجوبريين والقابونيين أنفسهم؟ فدمشق التي يخطط لها اليوم لن تقوم على أعمدة من خرسانة فقط، بل على مصارحة حقيقية مع ماضيها القريب، ومع أهلها الذين كتبوا تاريخها الحديث بدمائهم، لا بمحاضر جلسات اللجان الرسمية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
ثقافة