أوروبا ترفض حصار إيران: تباين مع واشنطن ومخاطر اقتصادية ودبلوماسية


هذا الخبر بعنوان "أوروبا بين التحالف والاختلاف… لماذا ترفض الانضمام إلى حصار إيران؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم تصعيد حاد تشهده المنطقة، اختارت أوروبا النأي بنفسها عن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية إلى حصار إيران، ما كشف عن تباين واضح في مقاربتها للأزمة مع واشنطن. فبين المخاوف من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، والهواجس الاقتصادية والطاقوية، تتمسك العواصم الأوروبية بالخيار الدبلوماسي، متجنبة الانخراط في خطوة تحمل مخاطر جسيمة.
وأعلن حلفاء حلف شمال الأطلسي، يوم الاثنين، رفضهم المشاركة في خطة ترامب لحصار الموانئ الإيرانية، واقترحوا التدخل فقط بعد انتهاء القتال، وهي خطوة من المرجح أن تثير غضب الرئيس الأميركي وتزيد التوترات داخل الحلف. وكان ترامب قد صرح بأن الجيش الأميركي سيقضي على أي سفن إيرانية تقترب من الحصار الذي بدأ يوم الثلاثاء، بعد فشل محادثات نهاية الأسبوع في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع المستمر مع إيران منذ ستة أسابيع. ومنذ بدء الحرب في 28 شباط/فبراير، أغلقت إيران الممر المائي إلى حد كبير أمام جميع السفن باستثناء سفنها، وتسعى إلى جعل سيطرتها على المضيق دائمة وربما فرض رسوم على السفن التي تستخدمه.
لكن حلفاء الناتو، بمن فيهم بريطانيا وفرنسا، أكدوا أنهم لن ينجروا إلى الصراع من خلال المشاركة في الحصار مع واشنطن، مشيرين إلى أنهم يعملون بدلاً من ذلك على مبادرة لفتح المضيق. ويشكل هذا الرفض نقطة خلاف إضافية مع ترامب، الذي هدد بالانسحاب من التحالف العسكري ويفكر في سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا، بعد رفض دول عدة السماح للطائرات العسكرية الأميركية باستخدام مجالها الجوي لشن هجمات على إيران.
ويقول الباحث في الاقتصاد السياسي محمد موسى، لـ"النهار"، إن "الموقف الأوروبي يختلف بوضوح عن المقاربة الأميركية، إذ يرى الأوروبيون أن حصار إيران يوازي عملياً حصاراً لمسار الطاقة في مجمل الخليج، وهو ما كشفت عنه تداعيات الأزمة منذ بدايتها".
ويشير موسى إلى أنه خلال نحو أربعين يوماً فقط، تكبد الاقتصاد الأوروبي خسائر بمليارات الدولارات، سواء على مستوى الشركات أو المواطنين، في ظل ارتفاع التضخم، وخصوصاً في أسعار الطاقة، إذ تجاوزت أسعار الغاز زيادة 50%، فيما ارتفعت أسعار النفط بنحو 30%. وبذلك تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام فاتورة باهظة لا مصلحة مباشرة لها فيها، مع إدراكها أن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى مزيد من التضخم. ويؤكد أن "أوروبا تفضل العودة إلى المسار الدبلوماسي، معتبرة أن سياسة الضغط قد تكون مفيدة إذا كانت بهدف الاحتواء، لا الدفع نحو مواجهة عسكرية مفتوحة وغير محسوبة النتائج". ويضيف أن "الدول الأوروبية، رغم اصطفافها ضمن المعسكر الغربي بقيادة ترامب، تسعى إلى الحفاظ على هامش استقلالية في قرارها السياسي".
كذلك يلفت موسى إلى أن "المصالح الأوروبية أكثر عرضة للخطر بحكم القرب الجغرافي"، مستشهداً باستهداف قبرص، ما يعزز مخاوف الأوروبيين من توسع دائرة التصعيد. ويذكّر بأن "أوروبا كانت شريكاً أساسياً في اتفاق 2015 مع إيران، واستفادت شركاتها، ولاسيما الفرنسية منها، من الانفتاح الاقتصادي آنذاك، قبل أن تجد نفسها خارج هذا المسار". ويخلص إلى أن الأوروبيين يرون في سياسة الاحتواء والرقابة، عبر آليات مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخيار الأكثر فاعلية، محذرين من أن خروج إيران من هذه الأطر يزيد الغموض والمخاطر. ومع ذلك، لا يعني هذا انحيازهم إلى طهران، بل يعكس اختلافاً جوهرياً مع واشنطن في إدارة الأزمة، بما يحفظ استقرار الأسواق ويحد من التضخم ويضمن تدفق الطاقة بشكل طبيعي.
من جهته، يقول الصحافي المقيم في باريس تمام نور الدين، لـ"النهار"، إن "فرنسا لم تُستشر في الحرب، وهي تعارضها رغم موقفها السلبي جداً من النظام الإيراني، الذي تضعه، إلى جانب أنظمة مثل بشار الأسد ونيكولاس مادورو، ضمن أسوأ الأنظمة في العالم". ويؤكد أن "العلاقة مع طهران ليست قائمة على صداقة بل على مصالح، مع اقتناع فرنسي بأن تغيير النظام يجب أن يكون بيد الشعب الإيراني نفسه". ويشدد على أن "باريس لن تنخرط في حصار، نظراً إلى الشكوك الكبيرة حيال شرعيته القانونية، إذ يعد الحصار بمثابة إعلان حرب، ما يطرح تساؤلات بشأن الأساس القانوني له، خصوصاً في غياب تفويض دولي واضح". ويذكّر بأن "فرنسا تعتمد دائماً إطاراً قانونياً لأي تحرك عسكري، كما حصل في هجمات 11 أيلول/سبتمبر التي بررت مشاركتها في الحرب على أفغانستان، وهو ما لا يتوافر في الحالة الإيرانية".
ويضيف نور الدين أن "الطرح الفرنسي يتركز على إنشاء قوة دفاعية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لا قوة هجومية. كما يلفت إلى أبعاد اقتصادية وإنسانية، منها ارتفاع تكلفة النفط ووجود آلاف البحارة العالقين في المضيق". ويرى أن "الحصار الأميركي يستهدف عملياً الصين، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد ترامب للتصعيد قبيل أي قمة محتملة مع بكين".
بالمحصلة، يعكس الرفض الأوروبي، الذي كتب عنه غوى خيرالله، توازناً دقيقاً بين التحالف والاختلاف، إذ تسعى أوروبا إلى حماية مصالحها وتفادي التصعيد، مع الحفاظ على شراكتها مع واشنطن وتجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة