الأوقاف السورية: رحلة استعادة الأملاك الضائعة بين تحديات السجلات المبعثرة ودور الأرشيف العثماني


هذا الخبر بعنوان "الأوقاف في سوريا.. استعادة الحقوق بين فوضى السجلات والرهان على الأرشيف العثماني" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عاد ملف الأوقاف في سوريا ليحتل صدارة النقاش العام، وذلك في ظل تحركات معلنة من قبل وزارة الأوقاف لاستعادة أملاك واسعة يُعتقد أنها تعرضت للتلاعب أو البيع غير المشروع على مدار عقود حكم نظام الأسد السابق. وفي خضم هذه التطورات، التي تتراوح بين المخاوف الشعبية والتوضيحات الرسمية، يبرز تساؤل محوري: ما الداعي للتوجه إلى الأرشيف العثماني، وهل يمكن اعتباره مرجعاً موثوقاً لإثبات الملكيات الوقفية؟
تعاني الأوقاف السورية من إهمال طويل الأمد، حيث لم تُنظم أملاكها ضمن قواعد بيانات واضحة ولم تُحصر بدقة، مما أسفر عن ضياع جزء كبير منها أو الاستيلاء عليه بطرق غير مشروعة. وفي تصريح خاص لموقع سوريا 24، أكد إبراهيم كوكي، مدير مديرية إعلام دمشق، أن الدور الأساسي لوزارة الأوقاف هو "الحفاظ على الأملاك الوقفية وإعادة تفعيلها، كونها ثروة وطنية هائلة". وأوضح كوكي أن الوزارة، خلال مرحلة التحرير، اكتشفت العديد من الأوقاف التي لم تُستخدم للغرض المخصص لها، مثل دعم الأيتام أو المرضى أو الفئات المحتاجة. وأضاف أن بعض هذه الأوقاف تعرض لسوء الاستخدام، بينما بيع جزء آخر أو حُوّل إلى أملاك خاصة أو مشاريع استثمارية كالفنادق والحدائق، مع إخفاء الوثائق الدالة على طبيعتها الوقفية.
وفقاً لإبراهيم كوكي، شرعت وزارة الأوقاف في البحث عن هذه الأملاك من خلال تتبع الوثائق وإعادة تحديد مواقعها، في خطوة أولى تهدف إلى "تثبيت الوقف" قبل اتخاذ أي إجراءات لاحقة. وفي هذا الإطار، يبرز الاعتماد على الأرشيف العثماني كمصدر أساسي، نظراً لما يحتويه من وثائق تاريخية تؤكد الطبيعة الوقفية للعديد من العقارات، خاصة وأن جزءاً كبيراً من هذه الأوقاف يعود إلى عصور الدولة الأموية والعباسية والمملوكية، وصولاً إلى العهد العثماني. ويؤكد كوكي أن الغاية من الاستعانة بهذا الأرشيف تنحصر في "إثبات أن هذا العقار وقف"، ولا تتعدى ذلك إلى أي أهداف أخرى.
من أبرز المخاوف التي طُرحت هي إمكانية سحب الأملاك من المواطنين الذين يمتلكونها حالياً، وهو ما نفاه المسؤولون بشكل قاطع. وأكد إبراهيم كوكي أن الوزارة لن تنتزع الملكيات من الأفراد الذين اشتروا هذه العقارات دون علم مسبق بطبيعتها الوقفية، مشدداً على أن "الشاري حسن النية لن يُظلم، ولن يتم طرد الناس من منازلهم أو محالهم التجارية". وأضاف أن الحلول ستكون ذات طابع تنظيمي وقانوني، تضمن حقوق جميع الأطراف دون الإضرار بالمواطنين، مع اللجوء إلى القضاء في حال نشوء أي نزاعات.
من جانبه، صرح سامر بيرقدار، معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، لوسائل الإعلام بأن الوزارة تسلمت قطاع الأوقاف في وضع يفتقر إلى أرشيف منظم، حيث وجدت "أوراقاً قديمة مبعثرة" وغياباً شبه تام لجدول دقيق بالأملاك. وأشار إلى أن نظام الأسد عمد، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى عام 2018، إلى بيع العديد من الأوقاف "بأبخس الأثمان" لأشخاص مقربين منه، مع تسجيلها رسمياً في السجلات العقارية المعروفة بـ "الطابو". وأكد بيرقدار أن الملكيات المسجلة في "الطابو" لا يمكن تعديلها أو المساس بها، وأن ملكية المشتري حسن النية ستظل مصانة، بينما ستتم ملاحقة البائعين المتورطين في عمليات التزوير أو الاستيلاء بهدف تعويض الحقوق. كما شدد على أن الاستعانة بالأرشيف العثماني تقتصر على تحديد الأملاك التي كانت وقفية، مؤكداً أن "الأوقاف السورية ملكية خالصة للدولة السورية، ولا علاقة لأي جهة خارجية بها".
يأتي التوجه نحو الأرشيف العثماني بسبب غياب البدائل الحديثة، فالأوقاف السورية عانت من إهمال طويل الأمد، وهي غير منظمة وتفتقر إلى سجلات دقيقة، مما يجعل الوثائق التاريخية من أبرز الأدوات المتاحة لإعادة بناء هذا الملف. وقد تميزت الوثائق العثمانية بتسجيلها الدقيق لتفاصيل الأوقاف، بدءاً من أسماء الواقفين وشروط الوقف وصولاً إلى آليات صرف عائداته، وهو ما يمنحها قيمة قانونية وتاريخية كبيرة في عمليات التوثيق الحالية.
يُعتبر الأرشيف العثماني أحد أهم المراجع التاريخية في المنطقة، ويُستخدم في عدد من الدول التي كانت جزءاً من الدولة العثمانية، ومنها: تركيا، التي تعتمد عليه في إدارة الأوقاف والملفات العقارية التاريخية؛ فلسطين، خاصة في قضايا الأراضي في القدس؛ الأردن ولبنان، في بعض النزاعات العقارية؛ والعراق، في توثيق الأملاك الوقفية. ويؤكد المختصون أن هذه الوثائق، على الرغم من قدمها، لا تزال تُستخدم كأدلة معتبرة، خصوصاً في غياب السجلات الحديثة، لكنها تتطلب تدقيقاً ومطابقة مع الواقع الراهن.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي