جولة زيلينسكي في الشرق الأوسط: أوكرانيا تبرز كقوة إقليمية وتساهم في تشكيل نظام جديد، وفقاً للمجلس الأطلسي


هذا الخبر بعنوان "المجلس الأطلسي: جولة زيلينسكي في الشرق الأوسط تكشف عن نظام إقليمي جديد قيد التشكل" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
سلطت التحليلات التي تناولت جولة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى اتفاقيات التعاون الدفاعي التي أبرمتها أوكرانيا مع المملكة العربية السعودية وقطر، الضوء على صعود كييف كقوة عظمى في مجال الطائرات المسيّرة ومساهم رئيسي في الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، أشارت يفغينيا غابر، المتخصصة في السياسة الخارجية الأوكرانية والباحثة في برنامج تركيا التابع لـ "المجلس الأطلسي"، إلى أن هذا التفسير لا يمثل سوى جزء من الحقيقة. وأكدت غابر أن الانفتاح الدبلوماسي الأوكراني الأخير على الشرق الأوسط، ولا سيما انفتاحه على سوريا، يؤكد تنامي التعاون بين أوكرانيا وتركيا في المنطقة، مما يشير إلى تحول في التحالفات الدبلوماسية والبنية الأمنية للشرق الأوسط.
من الابتكار الميداني إلى الاختراق الدبلوماسي
تاريخياً، لم تكن أوكرانيا غريبة عن الشرق الأوسط. فعلى مدى عقود، نشط المهندسون والمتخصصون الأوكرانيون في مختلف أنحاء المنطقة، مساهمين في مشاريع البنية التحتية والصناعية والعسكرية. إلا أن هذه المشاركات كانت في الغالب خاضعة للنظام السوفيتي، مما حدّ من فاعلية أوكرانيا السياسية وقدرتها الدبلوماسية المستقلة. أما اليوم، فترى غابر أن كييف تعود إلى الشرق الأوسط كشريك متكافئ ومستقل، يمتلك فهماً عميقاً للمنطقة، ويملك الخبرة اللازمة لتحديث أنظمة الأسلحة التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، فضلاً عن تقنيات الدفاع المحلية.
بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الشاملة، برزت أوكرانيا كمصدر متميز للابتكارات العسكرية المتطورة والتقنيات المجربة ميدانياً. فبعد تعرضها لهجمات بأكثر من 100 ألف طائرة مسيرة من طراز شاهد منذ عام 2022، حققت أوكرانيا معدلات اعتراض تجاوزت 85%، ما يعد دليلاً على عمق خبرتها المتميزة. وقد حفّزت كثافة الضربات الجوية، إلى جانب نقص أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، تطوير حلول مضادة للطائرات المسيرة تتميز بقدرة عالية على التكيف والتوسع، فضلاً عن فعاليتها الاقتصادية الملحوظة.
تعد هذه القدرات مطلوبة بشدة في الشرق الأوسط، وهي منطقة تتأثر بشكل متزايد بتداعيات الحرب الإيرانية، والتهديدات غير المتكافئة، وانتشار استخدام الطائرات المسيّرة في الحروب. ووفقاً للباحثة، ترى دول الخليج، الساعية إلى تعزيز الأمن وتحقيق مزيد من الاستقلالية الاستراتيجية، قيمةً واضحةً في التكنولوجيا الأوكرانية. في المقابل، تسعى أوكرانيا إلى تنويع شراكاتها وجذب الاستثمارات إلى صناعتها الدفاعية في ظلّ محدودية التمويل الأوروبي.
وبينما لم تُعلن تفاصيل الاتفاقيات الأمنية التي وقّعها زيلينسكي مع السعودية وقطر الشهر الماضي، يُفهم على نطاق واسع أنها تُرسّخ أسس تعاون دفاعي طويل الأمد وتبادل مربح للطرفين: الخبرة الأوكرانية في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة والمعرفة التقنية مقابل الدعم المالي، وتأمين إمدادات الطاقة، والاستثمار الاستراتيجي. وبحسب الباحثة، تشير جولة زيلينسكي الدبلوماسية إلى ما هو أبعد من مجرد التعاون العملي أو الصفقات التجارية، بل تشير إلى تحول هيكلي أعمق يتكشف في جميع أنحاء المنطقة، حيث تعمل كييف الآن وفق شروطها الخاصة، وتنجح في تحويل ابتكارات زمن الحرب إلى رأس مال استراتيجي.
ووفق هذا الاتجاه، يتماشى نهج أوكرانيا مع الأولويات المتغيرة للجهات الفاعلة الإقليمية التي تركز بشكل متزايد على تنويع تحالفاتها وتقليل اعتمادها على الضامنين الأمنيين التقليديين، مثل الولايات المتحدة أو روسيا. وبحسب غابر، فمن خلال تقديم حلول مجربة في المعارك، وسريعة الانتشار، وفعالة من حيث التكلفة، تضمن أوكرانيا الوصول إلى رأس المال الذي تشتد الحاجة إليه، والأسواق الجديدة، والشراكات السياسية خارج نطاق الفضاء الأوروبي الأطلسي.
بروز أوكرانيا وسط عجز روسيا
بالإضافة إلى ذلك، تعتقد الباحثة في "المجلس الأطلسي" أن أوكرانيا أصبحت شريكاً ذا قيمة لدول المنطقة في الوقت الذي يتلاشى فيه النفوذ الروسي فيها. وأشارت إلى "عجز روسيا عن الحفاظ على نظام بشار الأسد في سوريا، ودعم حكم نيكولاس مادورو في فنزويلا، أو مساعدة أرمينيا خلال حرب قره باغ"، كدليل على أن موسكو حليف غير موثوق به. وبالرغم من المكاسب الاقتصادية التي حققها الكرملين من ارتفاع أسعار النفط وتزايد الضغط على الولايات المتحدة جراء الحرب الإيرانية، فإن روسيا لم تجنِ سوى القليل سياسياً من هذا الصراع، بل تكبدت ضربة قوية لسمعتها بسبب امتناعها عن مساعدة طهران. وفي ظل هذا المشهد المتغير، تسعى كييف جاهدة لاستعادة دورها السياسي في المنطقة، وتطمح إلى سد الفراغات الجيوسياسية الناشئة.
وإلى جانب المجال الدفاعي، تشمل القيمة التي تقدمها أوكرانيا لشركائها في الشرق الأوسط مجالات تعاون أخرى، منها مشاريع الطاقة والربط التي تربط الخليج بأوروبا، ومبادرات الأمن الغذائي، وأسواق الفوسفات.
من سوريا إلى البحر الأسود
تشير الباحثة إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين تركيا وأوكرانيا ليست بجديدة، إنما الجديد هو توسعها لتتجاوز التعاون الثنائي، بهدف تعزيز مكانة كل منهما في جوار مشترك من خلال تكامل نقاط القوة. ويُجسد دور تركيا في تسهيل تواصل أوكرانيا مع سوريا هذه الديناميكية. فالعلاقات المتينة لأنقرة مع القيادة السورية ما بعد الأسد تتيح لكييف الوصول إلى أسواق دفاعية جديدة، ومواجهة الوجود الروسي في البلاد.
بالنسبة لتركيا، يُعزز التعاون مع أوكرانيا نفوذها الإقليمي ويُوسع نطاق تأثيرها الدبلوماسي، كما يُتيح لأنقرة التأثير في المحادثات الدبلوماسية التي تُيسرها والترتيبات التي تتوسط فيها. فقد كانت زيارة رئيس أوكراني إلى سوريا، التي كانت حتى وقت قريب من أقرب حلفاء الكرملين، أمراً لا يُمكن تصوره قبل بضع سنوات فقط. ووفق الباحثة، تشير زيارة زيلينسكي إلى سوريا في الخامس من نيسان/أبريل إلى تحول كبير في موازين القوى الإقليمية، مبينة أن كييف ترى مجالاً واسعاً للتواصل الدبلوماسي مع الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع. وقد تُسفر عن دعم دبلوماسي لوحدة أراضي أوكرانيا، وربما تؤدي إلى إغلاق الشرع للقواعد العسكرية الروسية في البلاد، مؤكدة أنه بإمكان كييف الاستفادة من شراكتها مع تركيا، الحليف المقرب لحكومة الشرع، لتحقيق هذه الأهداف.
لكن هذا التحالف يتجاوز سوريا بكثير، ليشمل البحر الأسود وجنوب القوقاز والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، حيث يشترك البلدان في مصلحة ردع الوجود العسكري الروسي ونفوذه الجيوسياسي. فبالنسبة لتركيا، يمثل دعم كييف عسكرياً ودبلوماسياً فرصة لاحتواء روسيا بشكل غير مباشر دون تحديها علناً. أما بالنسبة لأوكرانيا، فإن موقع تركيا الجيوسياسي وشبكاتها الإقليمية تجعلها شريكاً محورياً. وتعتقد الباحثة أن البحر الأسود قد أظهر بالفعل الأثر الاستراتيجي لهذا التعاون. فقد أدى نجاح أوكرانيا في إضعاف ما يقارب ثلث أسطول البحر الأسود الروسي إلى تغيير موازين القوى الإقليمية بما يعود بالنفع على كل من كييف وأنقرة. وقد يتكرر منطق مماثل الآن في الشرق الأوسط.
كذلك، من المرجح أيضاً أن تلعب القدرات الصناعية الدفاعية الأوكرانية والتركية دوراً متزايداً في تشكيل مستقبل الأمن الأوروبي مع توجه حلف الناتو نحو تعزيز الردع والدفاع بقيادة أوروبية. وقد أكد زيلينسكي هذه النقطة في مقابلة أجريت معه في 10 نيسان/أبريل، قائلاً: "بدون أوكرانيا وتركيا، لا تستطيع أوروبا منافسة روسيا". بهذا المسار، ترى الباحثة أنه في الواقع، لكي تسيطر أوروبا على بحارها، وتؤمّن أجوائها، وتدعم قوات برية فعّالة، ستحتاج إلى الاعتماد على التعاون مع أوكرانيا وتركيا، بالإضافة إلى المملكة المتحدة والنرويج. وفي هذا السياق، ترى أن تسهيل أنقرة لزيارة زيلينسكي إلى سوريا لا يبدو خطوة عابرة، بل مؤشراً على اتجاه أوسع، فنمطٌ ناشئ، تتعاون فيه أوكرانيا وتركيا بتناغم، مُهيّأٌ للعب دور أكبر في تشكيل الأمن الإقليمي في عالم يزداد تعدداً للأقطاب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة