الحسكة تحت وطأة الغلاء: ارتفاع أسعار المواد الغذائية يشمل مناطق السيطرة كافة ويهدد القدرة الشرائية


هذا الخبر بعنوان "باختلاف مناطق السيطرة.. أسعار المواد الغذائية ترتفع بالحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق محافظة الحسكة، الواقعة شمال شرقي سوريا، تصاعدًا متتاليًا في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على منطقة بعينها، بل امتدت لتشمل جميع مناطق السيطرة، سواء تلك الخاضعة للحكومة السورية أو لـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). يأتي هذا الارتفاع في ظل تراجع ملحوظ في القدرة الشرائية للأهالي وتزايد الضغوط المعيشية.
خلال جولة ميدانية أجرتها "عنب بلدي" في مدينة الحسكة وبلدة الهول، لوحظ تفاوت محدود في الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة و"قسد". ومع ذلك، أجمع الأهالي على أن موجة الغلاء قد طالت الجميع، بغض النظر عن اختلاف الجهات المسيطرة وآليات إدارة الأسواق.
في مدينة الحسكة، التي تسيطر عليها "قسد"، أعرب حسن العلي، وهو موظف في القطاع الخاص، عن أن ارتفاع الأسعار بات يفوق قدرة العائلات على التكيف. وأضاف: "راتبي ازداد، لكن الأسعار تتضاعف، لم نعد قادرين على تأمين الاحتياجات الأساسية كما في السابق". وأشار إلى أن المواد الغذائية الأساسية، مثل الخضراوات والزيوت، شهدت زيادات كبيرة مؤخرًا، مما اضطره لتقليص نفقات أسرته والحد من شراء بعض الأصناف.
أما في بلدة الهول، الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، فقد أكدت سعاد الخلف، ربة منزل، أن الوضع لا يختلف كثيرًا عن بقية المناطق. وقالت: "نسمع دائمًا أن الأسعار تختلف حسب المنطقة، لكن الواقع أن الغلاء واحد، نحن نعاني كما يعاني غيرنا، وربما أكثر بسبب ضعف الدخل". وأضافت أن تكاليف المعيشة اليومية، من غذاء ومحروقات، أصبحت عبئًا ثقيلًا على الأسر، مشيرة إلى أنها تضطر أحيانًا للاستغناء عن بعض المواد الأساسية.
من جانبه، أوضح عبد الكريم السالم، وهو تاجر مواد غذائية في مدينة الحسكة، أن السوق يشهد حالة من عدم الاستقرار نتيجة عوامل متعددة، أبرزها صعوبات نقل البضائع بين مناطق السيطرة المختلفة. وذكر أن "الشاحنات تمر عبر عدة حواجز، وكل جهة لها إجراءاتها، ما يؤدي إلى تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف النقل، وهذا ينعكس مباشرة على الأسعار".
وأضاف السالم أن الشائعات، مثل الأنباء المتداولة حول رفع الرسوم الجمركية في معبر "سيمالكا"، تؤثر أيضًا على السوق، حتى في حال عدم صحتها، إذ يلجأ بعض التجار إلى رفع الأسعار بشكل استباقي. وكان مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك الحدودية السورية، مازن علوش، قد نفى لـ "عنب بلدي" في وقت سابق رفع الرسوم الجمركية على البضائع عبر معبر "سيمالكا" مع كردستان العراق، مؤكدًا أن التعرفة الجمركية لا تزال كما هي، وأن ما يتم تداوله غير دقيق.
يرى الخبير الاقتصادي فوزي صلاح أن ارتفاع الأسعار في محافظة الحسكة يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ارتفاع سعر صرف الليرة السورية، وارتفاع تكاليف النقل، إضافة إلى حالة الانقسام الجغرافي والإداري في المنطقة. وقال صلاح، في حديثه إلى "عنب بلدي"، إن غياب التنسيق الاقتصادي بين الجهات المسيطرة، إلى جانب ضعف الرقابة على الأسواق، يفتح المجال أمام التلاعب بالأسعار واحتكار بعض السلع.
كما أشار إلى أن "العامل النفسي يلعب دورًا مهمًا أيضًا، إذ تؤدي الشائعات المتعلقة بالرسوم أو الإغلاقات إلى رفع الأسعار بشكل فوري، حتى قبل حدوث أي تغيير فعلي".
جاء ارتفاع الأسعار في أعقاب تطورات عسكرية شهدتها محافظة الحسكة خلال الفترة الأخيرة، والتي أسهمت في إعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى المختلفة، ما انعكس سلبًا على حركة نقل البضائع. وأدت هذه التطورات إلى زيادة تعقيد خطوط الإمداد، حيث باتت الشاحنات تضطر للمرور عبر مسارات أطول، ما يزيد من تكلفة النقل ويؤثر على استقرار السوق.
ويؤكد الخبير الاقتصادي فوزي صلاح أن "أي توتر أمني أو تغيير في خطوط السيطرة ينعكس مباشرة على الأسعار، لأن السوق في هذه المناطق هشّ ويعتمد بشكل كبير على النقل البري".
على الرغم من اختلاف الجهات التي تدير مدن الحسكة وأريافها، فإن معاناة الأهالي تبدو متشابهة إلى حد كبير، حيث يشكو الجميع من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. وكرر حسن العلي، الموظف في القطاع الخاص بمدينة الحسكة، أن "المواطن بات هاجسه القدرة على تأمين لقمة عيشه"، بينما أكدت سعاد الخلف، ربة منزل من بلدة الهول، أن "الغلاء لا يفرق بين منطقة وأخرى".
في ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضبط الأسواق وتحسين الواقع المعيشي، سواء عبر تشديد الرقابة على الأسعار أو دعم الدخل. لكن الحلول تبدو بعيدة المنال، مع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية في المنطقة.
مع استمرار تقلبات سعر الصرف، الذي بلغ 13500 ليرة لكل دولار أمريكي صباح اليوم في الحسكة، وتعقيدات المشهد الأمني والإداري، تبقى أسواق الحسكة عرضة لمزيد من الاضطرابات. ويغيب في الأفق رؤية اقتصادية موحدة أو سياسات فعالة للحد من ارتفاع الأسعار.
وبينما يحاول الأهالي التكيف مع هذا الواقع عبر تقليص استهلاكهم وتغيير أولوياتهم، يبقى القاسم المشترك بينهم هو القلق من مستقبل معيشي يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة