أزمة سد سوحا في ريف حماة: مخلفات الألبان تهدد صحة السكان وتكشف عن هشاشة البنية التحتية


هذا الخبر بعنوان "مخلفات معامل الألبان تلوث سد “سوحا” بريف حماة.. خطر يهدد الأهالي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحول سد “سوحا”، الواقع على بعد كيلومتر واحد غرب قرية سوحا بريف حماة الشرقي، من مشروع تنموي كان من المفترض أن يخدم في تخزين مياه الأمطار، إلى بؤرة تلوث بيئي وصحي خطيرة. هذا التدهور يهدد سلامة سكان القرية والقرى المجاورة، نتيجة لتسرب مياه الصرف الصحي ومخلفات معامل الألبان والأجبان إليه. تتفاقم الأزمة في ظل مخاوف الأهالي من انتشار الأمراض وتلوث مصادر المياه، مقابل تمسك أصحاب المعامل بمصدر رزقهم، ما يعكس تعقيد المشكلة وهشاشة البنية التحتية وغياب الحلول المستدامة.
أوضح محمود المرعي، أحد سكان قرية سوحا، في حديثه لعنب بلدي، أن السد، رغم إقامته على أراضي البلدة وحمله لاسمها، لم يقدم أي فائدة تذكر لأهالي المنطقة، سواء في دعم الآبار أو زيادة الحصص المائية، بل اقتصرت فوائده على المناطق الغربية. وأضاف المرعي أن السد أصبح مصدر معاناة حقيقية بسبب تسرب مياه الصرف الصحي إليه، والتي تفاقمت بفعل مخلفات معامل الألبان والأجبان التي تُصرف مباشرة في السد.
ورغم محاولة الجهات المعنية إنشاء “جورة فنية” لعزل مياه هذه المعامل، إلا أنها تفيض باستمرار وتتسرب إلى مياه السد، مما أدى إلى انتشار روائح كريهة، خاصة في المساء. وقد أثار هذا الوضع مخاوف جدية من تلوث مياه الشرب في القرى المجاورة مثل عكش، في ظل غياب تام للحلول الجذرية أو محطات التنقية الموعودة، بحسب المرعي. وأشار إلى أن الأمراض التنفسية والهضمية بدأت بالانتشار، ومع ارتفاع درجات الحرارة، يخشى السكان من انتشار الحشرات والبعوض وما يرافقها من أمراض جلدية مثل الليشمانيا (حبة حلب).
في المقابل، تمثل معامل الألبان والأجبان في المنطقة ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. فبحسب محمود الرجا، أحد أصحاب هذه المعامل ومن سكان قرية سوحا، يعتاش عليها ما بين 500 إلى 600 عائلة في منطقة تعاني أصلاً من البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة. وأضاف الرجا أن الأثر الاقتصادي لهذه المعامل لا يقتصر على توفير فرص العمل المباشرة فحسب، بل يغذي قطاعات أخرى كالمحال التجارية ومحطات الوقود والأفران، وبعضها يقوم بتصدير منتجاته إلى دول الجوار.
رفض الرجا المطالب بإغلاق هذه المعامل كحل لأزمة التلوث، معتبرًا أن ذلك “يشبه قطع المياه عن الناس عند تلوث بئر ما، بدلاً من معالجة التلوث نفسه”. وحذر من أن “إيقاف المعامل سيؤدي إلى مشكلة أكبر تتمثل في حرمان مئات العائلات من رزقها”. وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في وجودهم، بل في كيفية إدارة مخلفاتهم، فمصل الجبن والحليب الناتج عن عملية التصنيع يمكن تحويله إلى أسمدة ومواد نافعة لو توفرت الظروف المناسبة، لكن المنطقة تفتقر إلى بنية تحتية مؤهلة للصرف الصحي الصناعي.
أفاد رئيس بلدية قرية سوحا، حسين الخليف، لعنب بلدي، بأن محاولات سابقة لمعالجة المشكلة باءت بالفشل. فقد تم إنشاء “جورة فنية” (حفرة تجميع) لمنع وصول مخلفات المعامل إلى السد، لكنها تفيض باستمرار بسبب ضغط المخلفات الهائل. وأكد الخليف أن التحركات الرسمية جارية بالتواصل مع مؤسسة الصرف الصحي ومديرية المنطقة، وهناك وعود بزيارة كشف ميداني من قبل “منظمة ضد الجوع” لمتابعة الموضوع. وقدّر الخليف تكلفة إنشاء محطة معالجة رئيسة للمخلفات (أحواض تجميع) بما يتراوح بين 80,000 و85,000 دولار، وهي بحاجة إلى تمويل من المنظمات الدولية.
طرح أصحاب المعامل حلولاً بديلة عن الإغلاق، بحسب محمود الرجا، تتمثل في إنشاء “جور فنية” جديدة بمواصفات هندسية دقيقة، بحيث تكون بعيدة عن السد وغير نافذة للمياه الجوفية، أو مد قساطل (أنابيب) من المعامل لمسافة تصل إلى نحو 20 كيلومترًا لنقل المخلفات إلى محطة معالجة الصرف الصحي في بلدة التل التوت شرقي سلمية.
من جانبه، أشار رئيس البلدية، حسين الخليف، إلى حل آخر يتمثل بإلزام أصحاب المعامل بإنشاء “محطات معالجة مصغرة” لكل معمل، حيث يمكن أن تتحول المياه المعالجة إلى مياه صالحة لري المحاصيل غير المأكولة مثل الشعير والقمح، وليس للشرب.
في سياق متصل، ذكر الخليف أن بلدية سوحا وحمادة عمر تعاني من نقص حاد في الآليات والمعدات اللازمة لمواجهة تفاقم الأزمة، حيث سُرقت الآليات القليلة التي كانت متوفرة في بداية التحرير. وقال الخليف إن البلدية بحاجة ماسة إلى آليات (تركتورات) لتمكينها من رش المبيدات الحشرية، خاصة مع تزايد المخاوف من انتشار الحشرات والأمراض في فصل الصيف.
تبقى أزمة سد سوحا مثالاً حيًا على الأزمات المركبة التي تواجهها مناطق عديدة في سوريا، حيث تتشابك الحاجة إلى التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل، مع تحديات البنية التحتية المدمرة والبيئة المهملة. وبينما يدفع السكان ثمن هذا التدهور صحيًا، يظل البحث عن حلول جذرية مستدامة هو المخرج الوحيد لإنقاذ المنطقة من كارثة بيئية وصحية محققة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي