تدهور الليرة السورية يدفع الأسعار للارتفاع: أسباب اقتصادية وهيكلية وراء صعود الدولار


هذا الخبر بعنوان "تراجع الليرة السورية يضغط على الأسواق.. ما الأسباب؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الأسواق السورية في الآونة الأخيرة تصاعدًا حادًا في الأسعار، تزامنًا مع بلوغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية مستويات قياسية تجاوزت 13,350 ليرة سورية، وذلك يوم الخميس الموافق 16 من نيسان. وقد انعكس هذا الارتفاع بشكل مباشر على تكلفة السلع الأساسية، مع تباين ملحوظ في الأسعار بين المحافظات. ويأتي هذا التدهور في قيمة الليرة السورية في ظل استمرار الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي الذي يثبته مصرف سوريا المركزي عند 11,100 ليرة سورية، والسعر الفعلي المتداول في السوق الموازية.
وقد رصد مراسلو عنب بلدي تباينًا واضحًا في الأسعار بين المحافظات السورية. ففي القنيطرة، لوحظت أسعار أقل نسبيًا لبعض المواد، حيث وصل سعر كيلو الأرز المصري إلى حوالي 10 آلاف ليرة، والسكر إلى 8 آلاف، والزيت إلى 26 ألف ليرة. على النقيض، شهدت السويداء ارتفاعًا في سعر كيلو الفروج ليتراوح بين 35 و40 ألف ليرة، مقارنة بـ32 ألف ليرة في دمشق والقنيطرة. كما بلغ سعر الأرز في السويداء 12 ألف ليرة، والسكر نحو 8500 ليرة. أما في دمشق، فسجل الزيت النباتي 27 ألف ليرة، والأرز حوالي 11,500 ليرة، بينما قفز سعر السمنة إلى 48 ألف ليرة، والمعكرونة إلى 12 ألف ليرة. وفي اللاذقية، سجل الزيت النباتي 27 ألف ليرة، والأرز نحو 12 ألف ليرة، والسكر حوالي 8500 ليرة. وبخصوص الخضروات، تراوح سعر البندورة بين 10 و18 ألف ليرة حسب النوع، والبطاطا بين 6 و10 آلاف ليرة، في حين وصل سعر الليمون في بعض المناطق إلى 22 ألف ليرة.
وبمقارنة هذه الأرقام ببيانات آذار الماضي، يتضح أن أسعار بعض المواد الأساسية كالسكر والأرز شهدت ارتفاعات طفيفة تتراوح بين 500 و1000 ليرة، بينما سجلت مواد أخرى مثل الزيت زيادات أكثر وضوحًا، مما يؤكد ارتباطها المباشر بتقلبات سعر الصرف. في المقابل، ظهرت فروقات أكبر في أسعار اللحوم والخضروات، سواء من حيث الارتفاع العام أو التباين بين المحافظات، مما يشير إلى تأثير عوامل محلية إضافية كلفة النقل وتوفر الإنتاج، إلى جانب التأثير الأكبر لسعر الدولار.
من جانبه، أرجع الخبير الاقتصادي علاء بلدية ارتفاع سعر صرف الدولار إلى التراجع المستمر في الإنتاج المحلي. وأشار إلى أن إغلاق العديد من المنشآت الصناعية، ومنها بعض معامل السيراميك مؤخرًا، يدفع السوق السورية نحو الاعتماد المتزايد على الاستيراد. وأوضح بلدية أن هذا الاعتماد يرفع بدوره الطلب على القطع الأجنبي، نظرًا لأن جميع عمليات الاستيراد تتم بالدولار، مما ينعكس مباشرة على سعر الصرف.
وأكد بلدية أن الارتفاع الحالي في سعر الدولار ليس حدثًا طارئًا، بل هو نتيجة تراكمية لضعف الإنتاج المحلي والاعتماد المفرط على الاستيراد، متوقعًا استمرار هذا المسار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وفي سياق متصل، لفت بلدية إلى أن استقرار سعر الصرف الذي شهدته فترات سابقة لم يكن مؤشرًا على تحسن اقتصادي حقيقي، بل كان نتيجة لسياسة “حبس السيولة” التي قيدت قدرة الأفراد على شراء الدولار. وأوضح أن تقييد السحوبات وتقليص الكتلة النقدية المتداولة في السوق أدى إلى انخفاض مؤقت في الطلب على الدولار، قبل أن يعود السعر للارتفاع تدريجيًا مع عودة السيولة إلى السوق، مما دفع سعر الصرف للصعود مجددًا.
وفي موازاة ذلك، يكشف الواقع النقدي عن محدودية قدرة المصرف المركزي على التدخل الفعلي لدعم الليرة السورية، وذلك في ظل ضعف احتياطاته القابلة للاستخدام من القطع الأجنبي. وتتفاقم حالة عدم الاستقرار بفعل مؤشرات ضيق السيولة، ومنها تأخر صرف الرواتب، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد، مما يحافظ على ارتفاع الطلب على الدولار.
بناءً على هذه المعطيات، تبدو الليرة السورية عرضة لمزيد من التراجع، خاصة في ظل غياب إصلاحات إنتاجية حقيقية قادرة على تخفيف الضغط عن السوق وتحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب.
وفي إطار البحث عن حلول عملية لدعم الليرة، كان الدكتور علي محمد قد حدد في حديث سابق لعنب بلدي، خطوات أساسية لتحسين قيمة العملة الوطنية. وتشمل هذه الخطوات: تهيئة وإصلاح آبار النفط السورية بهدف خفض فاتورة الاستيراد، لا سيما مع الارتفاع العالمي لأسعار النفط والتوترات الإقليمية التي تزيد من تكلفة الاستيراد وتستنزف القطع الأجنبي. كما دعا إلى تبني سياسات تمكن من استيراد المواد الأولية اللازمة للتصنيع وتهيئة البنية التحتية، للوصول إلى مستوى إنتاج يكفي السوق المحلية ويؤمن “فائضًا تصديريًا” يعيد التوازن للعملة الوطنية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد