الإعلام السوري بين قسوة الواقع وضرورة الترفيه: دعوة لـ"التاء" الرابعة


هذا الخبر بعنوان "عن “التاء” الرابعة الغائية.. حين يتجهم الإعلام في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في المجتمعات التي تخرج من أزمات وحروب، غالبًا ما تسيطر العناوين الثقيلة على المشهد الإعلامي، مما يحول الرسالة إلى تكرار مستمر يشعر معه الجمهور بأنه يدفع الثمن يوميًا. هذا التكرار يدفعهم إلى حفرة نفسية تضعف رغبتهم في المتابعة أو الاهتمام بالشأن العام.
يتولى الإعلام مهمة نقل الأحداث في مواده وتقاريره الخبرية، مستندًا إلى ثلاث "تاءات" أساسية: التأثير، والتغيير، والتقارب. ومع ذلك، يؤكد الكاتب علي عيد على ضرورة عدم إغفال "التاء" الرابعة، وهي الترفيه. فالترفيه ليس مجرد تسلية، بل هو أداة لرفض الخضوع للماضي دون نسيانه، ودون الإصرار على تجاوزه بالمحاسبة أو التغيير فقط.
عند تصفح الصحافة ومتابعة الشاشات السورية، يلاحظ غياب هذه "التاء" الرابعة وجرعة الترفيه. فالحياة ليست مقتصرة على القرارات الكبرى والأحداث الضخمة، بل تتضمن أيضًا لحظات صغيرة تستحق أن تُعاش، بعيدًا عن التفاهة أو التسفيه.
يلخص الترفيه، بمعناه الواسع، فكرة جوهرية مفادها: "أنا لست فقط ما يحدث لي". فعندما يغني الناس، أو يضحكون، أو يحتفلون، فإنهم لا ينكرون الواقع، بل يرفضون أن يُختزلوا فيه.
يضرب الكاتب أمثلة تاريخية على ذلك، فبعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، استعادت برامج السخرية السياسية مثل "The Daily Show" جمهورًا مرهقًا من التغطيات الإخبارية الثقيلة. سمحت السخرية بإعادة التفكير في الحدث، لا إنكاره، واستُخدم الترفيه كأداة لخفض التوتر وإعادة بناء المسافة النقدية.
وفي الحرب العالمية الثانية، كثفت الإذاعات البريطانية (مثل BBC) والأمريكية البرامج الكوميدية والموسيقية بالتوازي مع الأخبار. لم يكن الهدف إخفاء الحرب، بل جعلها قابلة للعيش يوميًا، حيث استُخدم الترفيه كوسيلة دعم نفسي مصاحبة للخبر والتقرير.
تميل المجتمعات المتجهمة في الحروب إلى الإرهاق و"إجهاد التعاطف"، والتبلد، والانقسام، وفقدان المعنى، مع اضطراب ما بعد الصدمة. كما تتآكل الثقة الاجتماعية في البيئات المشحونة بالخوف والضغط.
في سوريا، تمتلئ الشاشات والصحف ووسائل التواصل بالرسائل المشحونة: أزمة جديدة، توتر جديد، غلاء، خلاف، تفجير، ضحايا. تبدو نشرة الأخبار مشابهة لتلك التي سبقتها، وتتكرر اللغة نفسها كأنها قالب جاهز.
لكن بعيدًا عن هذا المشهد، تقام الأعراس في البيوت، ويظهر شباب وفتيات بأصوات مميزة في قاع وسائل التواصل الاجتماعي. تتسلل موسيقى خفيفة من سيارة قديمة، أو تجلس عائلة تحت شجرة، وربما أمام ركام منزلها، وتضحك على شيء بسيط. كل ذلك يعكس رغبة عميقة في الحياة والاستمرار، وهو الجزء الذي يجب ألا يتجاهله الإعلام حتى لا يفقد المجتمع قدرته على مقاومة المآسي.
هناك فرق كبير بين الجدية والتجهم؛ فالأولى تعني احترام عقل الجمهور، بينما الثانية تثقل عليه. عندما يقرر الإعلام أن يكون ثقيلًا طوال الوقت، ينسحب الناس، لأنهم لا يستطيعون العيش في حالة إنذار دائم، ولا أحد يحتمل جرعات متواصلة من الأخبار القاتمة دون متنفس.
مع تكرار الرسالة المتجهمة، يفقد الخبر تأثيره، وتصبح الكارثة مجرد رقم. وحين يعتاد الناس مشاهد الدم، يصبح قلب القناة عبر جهاز التحكم أمرًا في منتهى البساطة، فالجمهور يبدأ البحث عن مكان آخر أكثر قابلية للحياة.
في علم النفس الإعلامي أو "سوسيولوجيا الإعلام" (Sociology of Media)، يفكر صانعو السياسات في بناء مقاربة مختلفة لخلق الاهتمام ومقاومة الانسحاب. يجب ألا تُقابل محاولة إدخال الترفيه بالريبة، على أساس أنه نقيض للجدية، إما إعلام جاد وإما تافه. فالترفيه، بمعناه المهني، ليس نقيض الحقيقة، وقد يكون طريقًا للوصول إليها.
لكي يكون الإعلام أكثر تمثيلًا وواقعية، فهو مطالب بتحديد هوية الجمهور واحتياجاته النفسية، حتى يصل إليه. في سوريا مثلًا، لا يجب اعتبار الحديث عن حفل موسيقي أو أغنية جديدة أو قصيدة غزلية "خارج السياق"، بل هو في صلبه. هناك من يغني، وهناك من يرفض الموسيقى وشعر الغزل لأسباب عقدية لا تنتمي لمفهوم الدولة الحديثة. يجب على الإعلام أن يكون شجاعًا في مواجهة ذلك، وإلا غرق الجميع في حفرة التجهم. وحين يتجاهل الإعلام هذه التفاصيل، لا يصبح أكثر مهنية، بل أقل دقة في تمثيل الواقع.
يلعب الترفيه دورًا في جانب آخر، وهو إيصال القضايا الثقيلة دون تحويلها إلى عبء. يمكن استخلاص محتوى بأسلوب لطيف ومشوق من التحقيق الاستقصائي أو حتى التقرير السياسي. ولعل هذا ما دفع الإعلام لإنهاء هيمنة الرجال على شاشات الأخبار حتى ستينيات القرن الماضي، لتبدأ مرحلة "تأنيث نشرات الأخبار"، لأهداف متعددة، منها أثر حضور المرأة غير المتجهم، و"تلطيف الخطاب العام" (Softening of Public Discourse).
سياسة
ثقافة
اقتصاد
صحة